الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 هل الولايات المتحدة تقود العالم ام تحكمه ؟ ان قيادة العالم تكون بالاسبقية والمحافظة على القمة في الاقتصاد والتقنية والقوة العسكرية والتعليم والثقافة وغيرها، وقيادة العالم تتطلب عدة امور مهمة منها المحافظة على المثالية في القيادة والنظر الى الاخرين بعين العطف وبناء جسور الثقة والسيطرة على النفس، وهذه لم تكن في الاجندة الاميركية سواء قبل المرحلة السبتمبرية ام بعدها. لقد قررت الولايات المتحدة الاميركية منذ فترة بسيطة فقط ان عليها حكم العالم وليس قيادته، فهي لا تملك مؤهلات القيادة وخصوصا ان اعداء سياستها اكثر من المطبلين المتمسحين بمساعداتها، وكسب الاصدقاء بطبيعة الحال اصعب من صناعة الاعداء، وفرض الامر الواقع بقوة السلاح يوفر الكثير من الجهد والمال وخبيث الابتسامات. فلسان حالها وترجمة مقالها بصريح القول : فليذهب من لا يؤيد سياستي الى الجحيم فانا سيدة العالم وعلى الجميع السمع والطاعة، شاء من شاء وابى من ابى . لقد كتبت مستشارة الامن القومي كونداليزا رايس مقالا في مجلة «فورن افيرز» بتاريخ فبراير 2000 قالت فيه : «ان من حق الولايات المتحدة الانفراد بقيادة العالم، وان هذا مفروض بقوة الامر الواقع بفضل قوة اميركا وجبروتها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وان على الاخرين الاقرار بذلك والتسليم به». لقد سلم العالم بذلك وقبل به كرها، فليس هناك من ينازع واشنطن على حكم العالم وليس قيادته ، لقد صدمت بغداد عندما علمت ان ملفاتها التسليحية قد وصلت الى اجهزة الامن الاميركية قبل ان يعلم بها الامين العام للامم المتحدة نفسه، فقد سمت هذا التصرف من قبل لجنة التفتيش بانه ابتزاز !! وهذا صحيح، وهذا امر لا تستطيع بغداد ولا غيرها عمل شيء حياله، فمن الواضح ان الجميع قبل بحكم حاكم قوي متنفذ لا سيطرة لاحد عليه، ولا حتى الضمير . يقول مؤلف كتاب «صعود الامبراطوريات وسقوطها» بول كندي بان : الدول الكبرى بحاجة الى المال والقوة، المال لكي تستثمر القوة، والقوة لكي تحمي المال، ولكن عملية التآكل المتبادلة بين الاثنين تؤدي في نهاية المطاف الى السقوط بسبب الوهن . لنفكر فيما قاله الرجل قليلا، فان عملية التآكل حتمية بين الاثنين، ولو لم يكن هناك هذا التآكل لبقيت كل القوى الكبرى مسيطرة ولما تحققت السنة الكونية في الصعود والهبوط وتغير الحال، وابسط مثال واوضحه هو الحالة السوفييتية التي حاولت السيطرة على الكثير من زوايا العالم بقوتها، وكان لها نفوذ عسكري وايديولوجي في كل بقعة من الارض ومع ذلك فقد سقط هذا العملاق فجأة بفعل وزنه الذي لم تستطع اقدامه تحمله، فهل نتوقع ان يتكرر الامر مع اميركا ؟ عقد الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الاميركية في الخليج مقارنة بين القدرات التدميرية التي حققتها التقنية العسكرية الاميركية في الحرب الافغانية وتلك القدرة التي كانت لها خلال حرب الخليج الثانية، فهو يقول ان الهدف الذي كان يحتاج تدميره لثلاثة الاف طلعة جوية في حرب الخليج، اصبح لا يتطلب اكثر من مئتي طلعة في الحرب الافغانية، وانه في الوقت الذي كان الامر فيه يتطلب اشتراك عشر حاملات للطائرات لتدمير هدف واحد في حرب الخليج، اصبح لا يتطلب سوى حاملة طائرات واحدة لتدمير هدفين في الحرب الافغانية . لقد انتشت الولايات المتحدة الاميركية بقوتها العسكرية ويحق لها ان تفخر بذلك، وسيكون العصر القادم هو العصر الاميركي بلا منازع، ومن حاول الاعتراض او الصراخ فسيلقى به في سلة محور الشر التي ابتدعها الرئيس بوش، ترهيبا لكل دولة قد تتردد في الهتاف او اعلان الولاء لقوة اصبحت تتربع على عرش العالم بعد ان جردته من برلمانه وحريته ولسانه. بقي علينا الان ان نسأل انفسنا : هل نسلم رقابنا لواشنطن مستسلمين لحكمها راضخين لامرها ؟ ام نرفع عقيرتنا بالصراخ والتنديد والشجب والاستنكار ؟ لا هذا ولا ذلك، فانحناءة السنبلة تقيها عاديات الرياح، والدفاع عن المصالح قد لا يكون بمزيد من الدماء، وحلول الليل لا يعني غياب الطريق، فلنبحث عن مصالحنا ككتلة متماسكة لها وزنها بدلا من ان نكون رمادا تذروه الرياح. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» qatar877@hotmail.com