الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 لم يأت الخطاب الذي ألقاه كولن باول وزير الخارجية الأميركي «يوم 12/12»، حول «مبادرة الشراكة الأميركية في الشرق الأوسط»، بأي جديد بالنسبة للسياسة الأميركية المعلنة ازاء المنطقة العربية، فقد ركز هذا الخطاب، من النواحي السياسية والأمنية، على محاربة الارهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل وايجاد حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي والالتزام بحل الدولتين بعد وقف ما اسماه بالارهاب وتغيير القيادة الفلسطينية. أما من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، فقد ركز الخطاب المذكور على أهمية نشر الاقتصاد الحر وفتح الأسواق وتنمية القطاع الخاص ونشر الديمقراطية ودعم مؤسسات المجتمع المدني وتغيير القيم التربوية؛ ومعلوم أن باول ركز في خطابه على أن التعاون في الشراكة الأميركية ـ العربية المقبلة لن يقتصر على الحكومات وانما سيشمل المواطنين. وفي الواقع فان خطاب باول هذا جاء ليعمم الآراء التي سبق أن طرحها الرئيس الأميركي جورج بوش في الخطاب الذي ألقاه يوم 24/6/2002، والذي بدا فيه وكأنه يركز على التغيير السياسي في الساحة الفلسطينية في حين أنه كان في حقيقة الأمر يوجه رسالة الى كل من يعنيهم الأمر في العالم العربي، وتأكيدا على ذلك فان آراء بوش هذه جرى اعتمادها فيما بعد في وثيقة «استراتيجية الأمن القومي»، التي أقرها البيت الأبيض الأميركي في سبتمبر الماضي «منشورة في موقع الخارجية الأميركية على شبكة الانترنت». ملامح جديدة ومن الاطلاع على وثيقة الأمن القومي وخطابي الرئيس بوش والوزير باول، المذكورين، فانه يمكن تلمس ملامح استراتيجية سياسة أميركية جديدة ازاء العالم العربي، تم ترسيمها بدفع من المناخات الهستيرية المتعلقة بالحرب على الارهاب «بعد 11 سبتمبر» وهي تتلخص في النواحي التالية: أولا، أن الولايات المتحدة الأميركية لا ترغب فقط باجراء تغييرات سياسية جذرية في معظم الأنظمة العربية وانما هي ستعمل أيضا على الدفع بهذا الاتجاه بمختلف الوسائل الممكنة. ثانيا، ان الادارة الأميركية لم تعد تكتفي بمجرد الصداقة مع طبقة سياسية حاكمة في هذا البلد أو ذاك، وانما هي تعمل من أجل ادخال تغييرات تطال بنية المجتمعات العربية بما يؤمن لها مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية، وهذا هو مغزى الحديث عن الأسواق الحرة والمنظمات غير الحكومية والتعليم المفتوح وتغيير المنظومة التربوية وعدم الاكتفاء باقتصار التعاون مع الحكومات. ثالثا، ثمة مؤشرات تؤكد اعتزام الادارة الأميركية فرض نوع من الوصاية المباشرة أو غير المباشرة على العديد من الأنظمة العربية، والأمر في هذه الحالة لن يقتصر على العراق وفلسطين. رابعا، ان اسرائيل مازالت تشكل حجر الزاوية في السياسة الأميركية ازاء المنطقة العربية، لذلك فان أميركا تحاول كل ما في وسعها لضمان أمن اسرائيل وتفوقها النوعي في مختلف المجالات، ويتضمن ذلك بالطبع عدم الدخول معها في خلافات وحساسيات قد تضعف من وحدتها الداخلية ومن قدرتها على صد الضغوط أو التهديدات التي تتعرض لها. خامسا، أن التسوية في الشرق الأوسط لم تعد تقتصر على مجرد حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وانما هي تتضمن بناء «شرق أوسط جديد» يتأسس على نشر الديمقراطية والانفتاح الاقتصادي، وادخال تغييرات في طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والتربوية في الدول العربية. على ذلك فان خطاب باول الأخير جاء لترجمة هذه الأهداف الأميركية، وهو لذلك جاء مخيبا للآمال، من نواح عدة أهمها: ان الادارة الأميركية لم تثبت جديتها في صد الضغوط الاسرائيلية المتعلقة بتأجيل خطة «خارطة الطرق»، اذ لم يتطرق باول الى هذه المسألة بشكل محدد مع العلم أن موعد اقرار الخطة بشكلها النهائي كان من المقرر أن يتم في الاجتماع الذي تعتزم اللجنة الرباعية عقده يوم 20/12 في واشنطن «أعاد باول تكرار المعزوفة الاسرائيلية الممجوجة التي تتعلق بتغيير القيادة الفلسطينية، علما أنه ثمة قيادة منتخبة «باشراف أمريكي» كما كان ثمة استعدادات فلسطينية لاجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وبلدية في شهر يناير المقبل، ولكن الضغوط الأميركية والاسرائيلية هي التي استدعت تأجيل كل ذلك. واصل باول تجاهل الواقع المأساوي للشعب الفلسطيني الناتج عن الممارسات الارهابية والتدميرية التي تنتهجها اسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالقضية بالنسبة للادارة الأميركية باتت تتلخص بوقف المقاومة المشروعة للاحتلال واصلاح القيادة الفلسطينية، وليس وقف الحصار وأعمال التقتيل والتدمير وانهاء الاحتلال! أيضا على الصعيد العربي باتت المسألة الأولوية بالنسبة للادارة الأميركية تتعلق بنشر الديمقراطية واصلاح مناهج التعليم وتشجيع القطاع الخاص «وهي بالطبع أمور الخلاف عليها» بدلا من اهتمام الادارة الأميركية بالتوجه الجدي والحازم لحل الصراع العربي ـ الاسرائيلي لا سيما أنها الدولة الوحيدة التي تملك أسباب الحل والربط في اسرائيل كما بينت التجربة. وفي الحقيقة فان الخطابات المذكورة، بغض النظر عن تعبيراتها المباشرة، تذكّر بالتقرير المغرض الذي وضعه لوران مورافيتش المحلل في مؤسسة «راند» للدراسات، وقدم في العاشر من يوليو الماضي الى هيئة السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» والتي يشرف عليها ريتشارد بيرل، تحت عنوان: «الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط»، والذي جرى فيه الحديث عن ضرورة التغيير في المنطقة بحيث يكون «العراق هو المحور التكتيكي، السعودية هي المحور الاستراتيجي، مصر هي الجائزة»، كما تذكّر بخطة ريتشارد بيرل، ذاته، التي قدمها الى رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق بنيامين نتانياهو في مطلع العام 1996 وتتضمن فرض التسوية والنظام الاقليمي على العرب بواسطة وسائل القوة والضغط الأميركي وبما يتناسب مع المصالح الاسرائيلية. حرب بالوكالة ومع ذلك فان ما يلفت الانتباه أن الخطط الأميركية الجديدة المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد لا يبدو أنها تبعث على ارتياح الاسرائيليين، وما يلفت الانتباه أيضا أن ثمة خلافاً بين الاسرائيليين حول هذه الخطة وجدواها وأبعادها وانعكاساتها السلبية أو الايجابية على الجانب الاسرائيلي. وفي هذا الصدد مثلا حذّر ميرون بنفنستي، في مقال نشره في هآرتس 2410، من مغبة التفاؤل ازاء المخططات الأميركية الشرق أوسطية وقال متسائلا: بعضهم يرى في الحرب ضد العراق.. فرصة لبناء «منطقة سلام ديمقراطية»، تقوم في ظلها في البلدان العربية أنظمة ليبرالية - ديمقراطية ومعتدلة. ولكن هل حقا مثل هذا «الشرق الأوسط الجديد» سيحل المشاكل، أم سيحدث عدم استقرار يثقل على اسرائيل بالذات؟.. هل الجماهير التي ستحظى بأنظمة ديمقراطية تتوق بهذا القدر للسلام مع اسرائيل؟. وبرأي يوئيل ماركوس فان الخطط الأميركية تشير الى أن حرب بوش»: لم تعد حربا صرفة ضد الارهاب وانما خطوة ضخمة للدمقرطة والاصلاحات وتغيير الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط، وهي مهمة تبدو غير ممكنة: حرب ضد العراق للقضاء على صدام حسين ونظامه الخروج في مغامرة طموحة تماثل اعلان الحرب على الحكام العرب الذين هم أصدقاء لأميركا، وعلى الدكتاتوريات كلها من دون دعم الأمم المتحدة ومن دون تحالف اقليمي. أمريكا وحدها ضد كل العرب. وخطة بوش الضخمة التي ستقوم الولايات المتحدة بناء عليها بفرض نظام عالمي جديد بالقوة حيث يقف في الجانب الآخر ملياري مسلم، تثير الشكوك.«هآرتس 29/10». وبدوره حذّر ألوف بن من انعكاسات ما يجري على عملية التسوية، وبرأيه فان: «مجرد وجود اطار لحل النزاع يحظى بالموافقة الدولية يعني التلويح للطرفين ان وقتهما محدود«يقصد خطة بوش حول الدولة الفلسطينية».. في اليوم الذي تقرر فيه الولايات المتحدة التدخل، سيكون لها اطار جاهز، يصعب على الطرفين رفضه، وعندئذ سيسجّل شارون في التاريخ كمن مهد الطريق للدولة الفلسطينية. «هآرتس20/10» وهذا الاستنتاج يتفق مع ما كان مارتن أنديك قد خلص اليه بقوله: «ان الحرب ضد العراق قد تبدأ بالضغط الأميركي من اجل تجنيد الدعم الدولي لها، لكنها قد تنتهي بالضغط الأميركي على اسرائيل من أجل سحب جيوشها من الضفة. «يديعوت أحرونوت 13/9». وعلى العكس مما تقدم فقد برزت مواقف اسرائيلية مشجعة ومتحمسة تماما للخطة الأميركية «الشرق أوسطية»، داعية الى عودة الاستعمار لهذه المنطقة، فهذه المواقف انطلقت من امكانية شطب السلطة الفلسطينية والانتهاء من عملية التسوية وصولا ربما لترحيل قسم من الفلسطينيين وفرض الواقع الاسرائيلي على العرب بوسائل القوة والاكراه. وفي هذا الاطار، مثلا، يقول غي باخور: الدكتاتوريات في العالم العربي فشلت في الخمسين سنة الأخيرة في ادارة بلدانها، بل وصارت خطرا على سلامة العالم. ومثلما احتاج الألمان الى انقاذ من الخارج من نظام شمولي - استبدادي، هكذا يحتاج ذلك العرب أيضا. في العراق، في جيرانه، وكذا في المناطق الفلسطينية. في الغرب باتوا يدركون أكثر فأكثر بأن هذه الأنظمة العربية غير المسئولة تولد موجات ارهابية ولا تسمح لأي خيار آخر أمام العالم المذهول. «يديعوت أحرونوت 20/10». ويذهب تسفي بار «رئيس بلدية رمات غان، وقائد حرس الحدود سابقا»أبعد من ذلك كثيرا، ففي تحريض لا يخلو من العنصرية، يقول: «الكثيرون يتساءلون مستغربين عن سبب اصرار بوش وبلير وحزمهما في الهجوم على العراق. السبب هو قلقهما من حقيقة ان جزءا من الثروات الطبيعية العالمية مثل الفحم والنفط الضروريين لوجود وبقاء الجنس البشري موجود بيد الطاغوت: ايران والعراق وليبيا والسعودية. والدولة الأخيرة تظهر في الآونة الأخيرة بصورة الدولة الداعمة والممولة للارهاب. الحرب الوشيكة هي مرحلة. أميركا ستهاجم العراق وستحقق أهدافها. وفي المرحلة التالية ستكون هناك حاجة الى سن قوانين دولية في اطارها يعلن عن الثروات الطبيعية «الفحم والنفط وما شابه» تحت وصاية دولية، مع سد الطريق على امكانية وقوعها بيد الارهابيين والقبائل والمتوحشين عديمي المسئولية من بني البشر «هآرتس22/9». وعلى أية حال فانه في ظل هذه الأوضاع المزرية، التي تتحكم فيها الادارة الأميركية في العالم، من حق اسرائيل أن تبدي كل الحماس للخطط الأميركية، فليس ثمة ما هو افضل بالنسبة لها من وضع تقوم فيه دولة أخرى، على قياس أميركا، بحرب في المنطقة بالوكالة عنها وبالعمل الدؤوب لادخال تغييرات فيها تصب في خدمة الوجود الاسرائيلي والمصالح الاسرائيلية، ولكن من جهة ثانية ثمة ما يدعو اسرائيل للقلق كثيرا اذ أن عواقب عدم الاستقرار والفراغ ربما تكون خطيرة جدا، على اسرائيل وعلى المصالح الأميركية في المنطقة. وفي الواقع فلا شيء يرجح عكس ذلك في ظل الرمال الشرق أوسطية المتحركة، ولا شيء يدعو أحد للتفاؤل ومن ضمن ذلك بالطبع اسرائيل أولا. ـ كاتب فلسطيني