الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 لقد بدا اليك ماكنزي المدرب المحترف وكأنه فارس من فرسان العصور الوسطى يقدم توصيات صريحة ومباشرة إلى مديري المؤسسات المختلفة بضرورة اخذ الاحتياط والتأكد من التزام الموظفين بالاهداف التطويرية للمؤسسة. ورأى ان خير وسيلة لتحقيق ذلك الهدف هي النزول الميداني إلى مواقع العمل، واقترح ان يتولى الاشراف بنفسه على اداء الموظفين بعد انتهاء البرامج النظرية والتي لا يمكن الحكم على كفاءتها الا من خلال المعاينة والنظر. وقد واجهته بعض ردود الافعال السلبية من قبل عدد من المديرين تأكد له معها مدى الحاجة إلى ايجاد قناعة بأن البرامج النظرية ليست بالضرورة قادرة على تحقيق النقلة النوعية لاداء الموظفين ما لم تصاحبه تغذية راجعة عن طريق ملاحظة السلوك اليومي وتسجيل الآراء والاقتراحات. وامام تشنج بعض المديرين ومنعهم له من تحقيق هدفه الطموح قرر ان يعرض مشكلته على واحد من زملاء مهنته وهو رجل ـ كما تحدث عنه ماكنزي ـ ناجح، ومطلوب على مستوى الولايات المتحدة وخارجها. فماذا كان رد زميل المهنة، وكيف وصلت له رسالة ماكنزي الشديدة الوضوح؟! لقد قال له بالحرف الواحد: «عظيم! هذه هي الطريقة الوحيدة لجعلهم يقبلون ان تقدم لهم حلقات دراسية. وزيادة عدد المشتركين في حلقاتك الدراسية هو المهم بالطبع»!!. ان مثل هذه الاجابة المثيرة للغضب والاستياء كافية ليطلق ماكنزي تصريحه النقدي اللاذع قائلاً: «لقد كان رد هذا الزميل هو أسوأ رد واجهته في حياتي..!! فلماذا يعتقد أني أروج لنفسي عن طريق عروض أشبه ما تكون بعروض التنزيلات والحسومات التي يحترفها الآخرون؟. لو كنت اريد ذلك فليس هذا هو السبيل الامثل لجلب المزيد من المال!! ويواصل الرجل، الباحث عمن يشاركه اهدافه حديثه قائلاً: «ان هذا الزميل كأمثاله من الناس الذين يجهل احدهم قوة الرابطة الانسانية الكبرى التي تشد الناس بعضهم ببعض، والتي اشعر بها قوية بداخلي، وهي التي تحملني على التضامن مع الآخرين، وتقديم الدعم لهم». ولأن لا شيء يأتي من الفراغ فإن هذا الرجل الغيور على عمله، والحريص على اداء الواجب لم يتوصل بين يوم وليلة إلى حكمه بعقم عديد من البرامج التدريبية وعجزها عن افادة الموظفين، وانما توصل إلى ذلك الحكم من خلال الاستقراء الواسع، والتجربة الحية التي اجتمع من خلالها بآلاف من الموظفين والمديرين ورأى ان ثمة فجوة واسعة بين النظري والعملي في البرامج التطويرية لا يمكن السكوت عنها!! والغريب حقاً ان يتصدى رجل من بلد الثورة الادارية، ومن المكان الذي اغرق العالم بكتب الادارة ليتحدث عن وجود خلل في العديد من المؤسسات الاميركية.ان ذلك الصوت الناقد ليس دليل تراجع الأداء وبطء تنفيذ البرامج التنموية كما قد يظن البعض، كلا انه دليل الصحوة العامة، ودليل الحرص الشديد الذي تحقق للصفوة من خبراء التدريب كما تحقق للصفوة من العقول المنفتحة في شتى المجالات العلمية والادارية والمهنية. تلك التي لا يقف طموحها عند حدود، ولا يضعف من تصميمها على تحقيق الانجازات النوعية اي نوع من العقبات او التحديات!! وما يجب التأكيد عليه هو ان صحوة البيئة الوظيفية التي تشهدها الولايات المتحدة إلى جانب المناخ الاجتماعي القادر على افراز ثقافة البحث عن الافضل كأحد الخيارات المهمة لتحقيق الذات والشعور بالفاعلية هو الذي انتج امثال المدرب المحترف ماكنزي الذي انكر على بعض المديرين رغم نمو مؤسساتهم وتحقيقها لأرقام جيدة في مجال تطوير خدماتها العامة الا يتجاوبوا مع هدفه في القيام بالمزيد من التدقيق على اداء شرائح موظفيهم . فاذا كان هذا الرجل العالي الهمة ـ وهو في بلد الثورة الادارية ـ لم يكتف بانجازات بلاده في هذا المجال، فماذا نقول نحن الذين لديهم مرض قديم عضال اسمه انخفاض الدافعية، والعزوف عن تحمل تكاليف النمو والارتقاء؟! ماذا عن اصحاب مدرسة ليس بالامكان ابدع مما كان الذي تلاشى في نفوسهم ـ منذ عقود عدة ـ اي احساس بالانتماء إلى وظائفهم الا كونها بيئة تضمن لهم الحصول على عائد مادي لا أقل ولا أكثر!! فاذا كان الاحساس بالوظيفة ليس الا بهذه الصورة الضعيفة، فسلام اذن وألف سلام على صحوة الضمير وعلى التطور والنمو اللذين لهما بيئة مختلفة وينتجان عن عقول اكثر استعداداً للعمل والبذل.