الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 «المصدر المجهول» الذي يكشف للرأي العام عن الوجه الآخر للحقيقة، أو يدلي بمعلومة عن بعض القضايا المهمة، يضطر ان يرتدي طاقية الاخفاء فلا يبدو للعيان، رغم فضولهم لمعرفته. فالحساسية التي تثيرها بيئة العمل في بعض المؤسسات العامة ، نتيجة احتدام المنافسة على تقدير المسئول، واعجاب الحضور، تحول دون وصول المعلومة التي تهم شريحة واسعة من المجتمع إلا على لسان المدير المسئول وحسب. وكثيرة هي الاخبار التي لا تعتمد على مصدر واضح وصريح، بل تموه بتعبيرات خفية، ومعلومات مجهولة المصدر، من قبيل «مصدر رفض الكشف عن نفسه»، أو «قال مصدر مطلع»، وغيرها من التعبيرات التي يعرفها جيدا العاملون في الحقل الاعلامي. والحقيقة ان هذه السياسة في تناول المعلومات تطبق في قطاع كبير من المؤسسات الحكومية العربية، وهي تنم - ولا شك - عن الهوة في الوضوح والمصداقية القائمة بين المؤسسة وعملائها، والتي تحول دون تواصلهم معها، وبالتالي اخفاقها في تلبية احتياجاتهم بالصورة التي يرتضونها، وترتقي من مستوى الاداء. وفي مثل هذه الاجواء المشحونة قد يبادر البعض بحسن نية بايصال المعلومة الصحيحة والدقيقة إلى وسائل الاعلام ومنها إلى الجمهور، ونتيجة لذلك يحصل على تقريع المسئول، لا بحكم انه قدم معلومة للرأي العام، بل ظنا بأنه أراد بذلك ان يحظى على حيز اعلامي، يحيل الاضواء إليه، فلا يلبث أمثال هؤلاء على رأس عملهم طويلا، ان لم يستدع في اليوم عينه، ليلقن درسا لا ينسى، وتستفتح رسالة باسمه لا تراوح الملف الوظيفي عنوانها «لفت نظر»، ليحجم قسرا عن الادلاء بأية معلومات في المرات التالية. ورغم ادراك البعض لاهمية التعاون والعمل الجماعي، إلا ان التنافس غير الشريف على امتلاك نصاب التقدير في المؤسسة يجعل الموظفين يتناحرون على ابراز الذات، كيف لا ومسئولهم يتمتع بالاشراق الاعلامي، ويجتهد في ابراز ذاته بفاتورة يدفعها أعضاء فريق العمل على حساب وقتهم وجهدهم. فهناك من الموظفين في الدوائر الحكومية من يعمل بمفرده، بينما تروج المؤسسة لشعار الفريق الواحد، وتنادي بالوصول إلى الاهداف المشتركة، وانجازها في وقت قياسي، وبمستوى عال من الجودة. ولا شك ان تخلي الموظف عن اسمه الصريح، وارتدائه طاقية المصدر« المجهول»، أمر حري بأن يؤخذ بعين الاعتبار، لما من شأنه أن يكشف عن جوانب الصراعات الادارية، وافتقاد الموظفين في المؤسسة إلى المناخ الملائم والمحفز الذي يسهل فيه تلقي وفهم المعلومات واعادة تطبيقها على ارض الواقع، وتلبية حاجات الناس بكفاءة ونزاهة. انها مسئولية مشتركة بين المسئول والموظف من جهة، والاعلامي والمواطن من جهة أخرى، فالاتصال مطلوب، والمعلومة الصحيحة مطلوبة، والمصلحة العامة مطلوبة في سبيل خدمة الوطن. darwish@albayan.co.ae