الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 ماذا تريد الولايات المتحدة من العراق بالضبط؟ هل تريد تدميره بضربة قاصمة لتتخلص من شرور أسلحة الدمار الشامل التي يفتش عنها فريق التفتيش الدولي دون نتيجة حتى الآن؟ أم تريد الاطاحة بنظام صدام حسين عن طريق ضربة خاطفة يوضع العراق بعدها تحت الادارة الأميركية عن طريق حاكم عسكري؟ إذن فما هو الدور الذي ترسمه الأقطاب المعارضة المنضوية تحت مظلتها والفرحة جداً بتمويلها الذي أعلن انه يبلغ 92 مليون دولار سنوياً مع دعم مطلق لتحركها السياسي استعداداً لتوزيع التركة في مرحلة ما بعد صدام المقبلة!! ماذا تريد الولايات المتحدة؟ هل تريد نفط العراق كاملاً وببلاش؟ أم تريد علماء العراق وأدمغته الفذة التي صنعت أسطورة تطوره التكنولوجي والبيولوجي الذي تسعى واشنطن لتدميره عن سابق اصرار خوفاً على مصالحها في المنطقة، وحماية لأمن اسرائيل أولاً وأخيراً؟ إن مسلسل تدمير العراق على يد الولايات المتحدة ليس وليد أفكار ادارة بوش وعرّابة سياسته السيدة كوندوليزا رايس، فالمسلسل قديم جداً، ذلك ان الادارة الأميركية لا تتصرف وفق سياسة المواقف الطارئة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، انها تتعامل مع المنطقة وفق خطط واستراتيجية محددة ومرسومة بكامل سيناريوهاتها، ولا خروج على النص لكائن من كان، ويخطيء من يعتقد ان تدمير العراق يأتي ثمرة لمرحلة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. لقد بدأ تدمير العراق بشكل تدريجي ومبرمج منذ بدأ يعلن عن توجهاته التطويرية وطموحاته في امتلاك السلاح النووي، ذلك ان امتلاك سلاح كهذا في يد دولة عربية اسلامية أمر لا تتسامح فيه واشنطن على الاطلاق، لأنه يهدد سيطرتها على منابع الطاقة في المنطقة، كما يهدد «اسرائيل» في المقام الأول ويخلق واقعاً خطيراً في توازنات الصراع العربي ـ الاسرائيلي لا تميل كفته بالكامل لصالح أميركا و«اسرائيل»، ومن هذا المنطلق جاء الضوء الأخضر لتدمير العراق. لقد عبرت الطائرات «الاسرائيلية» سماوات عربية في العام 1981 في عهد الرئيس الاميركي الأسبق رونالد ريغان، وقصفت المفاعل العراقي «تموز» في وضح النهار، في عملية ارهابية جريئة لم تشابهها سوى عملية تدمير مركز التجارة الدولي في نيويورك وفي وضح النهار أيضاً!! في حين اعتبرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر ارهابية وغيّرت من خريطة التوجهات والتحالفات والسياسات، فإن حادث مفاعل «تموز» العراقي مرّ مرور الكرام، وكأن بغداد ليست عاصمة لدولة عربية مستقلة ذات سيادة وعضو في منظمة الأمم المتحدة، وليست طرفاً مباشراً في الصراع مع اسرائيل! اليوم تريد الولايات المتحدة ان تمزق أحشاء العراق بحثاً عن أسلحة الدمار، وتريد أن تغيّر نظام الحكم (البعض يشكك في ذلك) وتريد ان تسرق العلماء العراقيين، وتريد ان تحكم العراق حكماً عسكرياً مباشراً، وتمول المعارضة وتنظم شئونها أمام العالم، ثم تأتي لتلقي على مسامعنا خطاباً في الشراكة والاصلاح الديمقراطي سعياً منها للظهور بمظهر الحريص على مستقبل الشعوب وحقوقها وظناً منها بأن «دمقرطتها» للعالم العربي بهذه الطريقة سوف يضمن لها خلاصاً أبدياً من رعب الارهاب. لا ندري حقيقة هل نحن الذين لا نعرف ماذا تريد الولايات المتحدة، أم ان الولايات المتحدة لا تعرف ماذا تريد من العراق ومن المواطن العربي.. إذا كانت تريد ان تعرف فبإمكانها أن تسأل الـ 300 مليون عربي بواسطة شبكة الانترنت وستعرف، لكن كيف لنا ان نعرف نواياها ونحن لا نرى سوى قمة جبل الجليد الظاهر للعيان هذه الأيام وبشكل غاية في الوقاحة والفجاجة!!