الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 في الليل سمعت قبل نومي الحديث الخافت المعتاد بين أمي وأبي، ما من باعث على استكانتي وتدثير أمري مثله، تناغمهما، همسهما أحيانا يلفني بغشاء من القربى، ويحفزني على الترقرق، خاصة أن تعبيرهما عما يشعران به جهارا كان نادرا، وقد أخذت هذا عنهما. قالت أمي انها شافت البنت فادية ابنة أم سهير تتبادل الاشارات عبر النافذة مع فتحي الكهربائي. قال أبي بسرعة «مالنا دعوة...». ردت أمي حذرة، «انها تخبره عما يجري» تعرف حرصه ألا يقع في مشاجرة مع أي من الجيران، لا يزور أحداً، ولا يزوره أحد، يستحسن الاقتصار وعدم الخلطة مع ناس مصر هؤلاء ورغم جنوحه الى السلم، الا أنه كان صارما في منع الجيران سكان الطوابق السفلى من الصعود الى السطح الممتد أمامنا. أغمضت عيني على ما قالته أمي، فادية وفتحي الكهربائي يتبادلان الاشارات كيف؟ للمرة الأولى يتجاوز بصري النافذة الى هدف محدد، تعين بالاسم فادية وفتحي، من قبل كنت ألعب بالنظر، أتطلع الى الفضاء اللامحدود متابعا بعض الحدأة تحوم في الأعالي، أتخيل لكل منها حضورا وهيئة مغايرة واسما، اسما بشريا، انثويا، أحاول متابعة روحية وتمييزها عن عزة عند تقاطعهما، عند الاصيل تنطلق أسراب الحمام من الأبراج الخشبية فوق أسطح المنازل،. المح بعض أصحابها يلوحون بالمرايات، لكل منها لون مغاير يهتدي به حمام الغية، في الخريف تظهر طيور لم أعرف لها مثيلا، لم يجبني أبي على أسماء بعضها، لكن دلني على الهدهد، وأبي فصادة وعصافير الجنة، لا أدري بعد نصف قرن على رؤيتي الطيور الغريبة هل مازالت تأوى الى أسطح بيوت مدينتنا التي اتسعت وتشعبت ونصبت فوقها الأطباق اللاقطة، وأجهزة التكييف المركزية وللطيور دفتر يخصها فلأرجئ الحديث عنها. أطلت فادية من النافذة المواجهة الى اليمين، ترتدي جلبابا من قماش رهيف اسمه رمش العين، تتناثر فوقه زهور صغيرة ملونة، الجلباب قصير الأكمام، هنا لابد من ايضاح، اذ لا فرق بين ما ترتديه النساء في داخل بيوتهن وما تظهرن به عبر النوافذ والشرفات، بل ان بعضهن يقفن أثناء نشر الغسيل بقمصان النوم الخفيفة وقماشها في الأغلب الأعم اسمه «باتستا» ويكون من لون واحد بلا نقش، وحتى الآن لا أعرف لماذا اسم الأول رمش العين والثاني «باتستا» وآخر «ساتان» ورابع «تافتاه»، حتى الصوف والقطن أجهل مصدر تسميتهما. تبدو لي فادية الآن كما رأيتها ذلك العصر.وجه وسط بين البيضاوي والمستطيل، عينان فسيحتان، فيما بعد كلما رأيت أنثى تتطلع الى من العدم، عبر جدراية فرعونية أستعيد فادية، رأيتها تعبر الحارة فيما بعد، لكنني اذ تطل على من تلك الأزمنة لا أراها الا كما كانت تبدو في اطار النافذة، خمرية الملامح. شيء فيها لا يبين، اقتربت منها عندما بدأت اللعب في الحارة، كنت أختبئ تحت السلم في فناء بيتها، يبدو أنها فوجئت بي. أمسكت بيدي متسائلة عما أفعل هنا. فقلت وجلا انني أخشى الآخرين. لمدة من الوقت لا أعرف مقدارها، فلم يكن الزمن وقتئذ الا طلوع نهار، وعودة أبي عند الظهيرة،وتطلع من النافذة بجوار أمي، ونزول الليل، تلك علامات مواقيتي، لكن ما أثق به،كأني أطالعه أمامي، أوقات الأصيل تلك. العصاري، ما قبل المغيب، لا تخلو نافذة من مظلة أو مطلة، كذلك الشرفات، ها هي. رفعت فادية يدها على مهل كأنها تحيي ولكن قبل ملامسة أناملها لجبهتها ملست براحتها على شعرها كأنها تساويه، بحذر تطلعت الى أمي ترقب مقطبة، ابتسامة فادية تلغي ما عداها. في المواجهة الى الجهة اليسرى بيت السني، نسبة الى الشيخ على السني بمجرد ظهوره في الشرفة يعبق الهواء بالمسك، حرفته، موهبته، قدرته التي لا ينافسه فيها أحد، تركيب العطور لمحبي وزوار مولانا، يزود المتاجر والدكاكين المحيطة وحتى خان الخليلي، والسكة الجديدة، بعد صلاة الجمعة يطوف بالمصلين، بقنينة تتيح قطره للأطفال، لا ينتظر شيئا، يمرق بسرعة، لسبب خفي، غامض، كان ظهوره يبث الرعب عندي، يدفعني الى التواري، ولهذا تفصيل عند ذكر نوافذ الفزعة. فوق السني تسكن عائلة فتحي الكهربائي، متوسط القامة، ابيض الوجه وشعر الرأس والجفون «عدو الشمس»، أفندي أي يرتدي قميصا وبنطلونا، لباس معظم رجال الحارة الجلباب بنوعيه بلدي وأفرنجي، فتحي يعمل بورشة كهرباء قرب الدرب الأصفر، لكنه يذاكر في مدرسة ليلية بالفجالة ليحصل على البكالوريا. يمكننا موقع بيتنا من رؤية جانبي الدرب، اذ أنه يقع على رأس العطفة التي تتجه الى اليسار بزاوية قائمة، ولا يقوم فيها الا منزلان، الأول ينسب الى أم علية، والثاني لام نبيل، ربة العائلة المصونة، المستورة وكلهم مستديرو الوجوه. فوق سطحه رأيت صفية الممتلئة، تقبل عبده سائق العربية الأجرة. هكذا يلم الرائي من ناحيتنا بما يجري على الجانبين، يمكنه أن يرى متحدثين متقابلين بنظرة واحدة، هكذا كان يمكنني رؤيتها. فادية تبتسم، تتراجع قليلا حتى تخرج من مجال الرؤية، لكنها ماثلة بالنسبة لنا، نطل من أعلى نقطة في الدرب. حركة يدها دائرية، يقف فتحي على أطراف أصابعه، يشير الى الدرب، تلوح بأصبعها يمينا وشمالا. يثني ذراعه، ترفع كتفيها، تمط شفتيها، يبدو عليها ذعر مفتعل، تتسع عيناها، تشير بأصبعها الى اللحظة، ما يعني..الآن الآن. تراجع فتحي عن دائرة رؤيتنا، تميل أمي محدقة، تجاعيد ثلاث على جبهتها. خلت النافذة منها أيضا، تراجعت خطوة أو مقدارا لا أستطيع قياسه وقتئذ أو عند استعادة اللحظة، ما أذكره وأكاد أراه ماثلا أمامي. دهشة بادية مع أن طبيعة أمي وما جبلت عليه الكتمان، ومداراة ما يجري عندها، مالت قليلا، لكن فادية وفتحي خرجا عن اطار الرؤية، أو المشاهدة. لكن النافذة الواقعة الى اليمين استمرت مفتوحة تتطلع الى النافذة التي تواجهها.وجرى بينهما محاورة ومداورة وأظهرتا ما استعصى على فهمه أو استيعابه.