الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 كسياسة ثابتة رسمية ومعلنة تعارض الولايات المتحدة قيام كوريا الشمالية بتصدير صواريخ الى الخارج. ولكن اذا كنت صديقا لاميركا فان بوسعك استيراد صواريخ كورية شمالية، إذ يتحول الحرام الى حلال تلقائياً. وقصة السفينة الكورية الشمالية التي احتجزتها قوات بحرية اسبانية بايعاز من البحرية الاميركية الاسبوع الماضي في بحر العرب جديرة بأن تصلح اساسا لفيلم كوميدي ساخر عن النفاق الانتهازي الذي تنطلق منه السياسات الدولية الاميركية. السفينة كانت تحمل ضمن ما تحمل شحنة من صواريخ كورية الصنع. والدور الاسباني انتهى عند حد اعتراض السفينة واحتجازها في عرض البحر. فقد تولت الامر بعد ذلك القوات البحرية الاميركية. ولدى اكتشاف شحنة الصواريخ كانت «المخالفة» واضحة: حكومة كوريا الشمالية الشيوعية كسرت الحظر المفروض عليها اميركيا في مجال تصدير صواريخ الى الخارج. لكن تبين لاحقا ان الطرف المستورد مصنف كدولة «صديقة» للولايات المتحدة: اليمن. وسرعان ما نقلت القوة البحرية الاميركية في عرض البحر تعليمات عاجلة من واشنطن باخلاء سبيل السفينة بشحنتها الصاروخية.. فتوجهت السفينة الى الساحل اليمني لتفريغ شحنة الصواريخ. هذه أحدث واقعة تفضح بصورة عملية التناقض الاميركي بين المبدأ والمصلحة. فعندما يتصادم المبدأ مع المصلحة الذاتية عند نقطة ما فان عنصر المصلحة هو الذي يغلب تلقائيا. ولاستبيان هذا التناقض الفاضح دعنا نتصور ان شحنة الصواريخ كانت متجهة الى ايران مثلا، اغلب الظن ان الشحنة كانت سوف تصادر أو يتخذ حيالها اي اجراء آخر يمنع في نهاية المطاف تفريغها في ميناء ايراني. لكن للقصة ابعادا اضافية. فابتداء كيف تنصب الولايات المتحدة نفسها وصيا على ميدان تجارة السلاح الدولية سواء تجاه الطرف البائع أو الطرف المشتري؟ لقد سمعت خبراء في القانون الدولي يقولون في مقالات على تلفزيون «بي.بي.سي» ان القانون الدولي لا يجرم عقود تصدير اسلحة من دولة الى اخرى طالما انها اسلحة غير محرمة بقانون أو قرار دوليين، وقياسا على هذه القاعدة فان صادرات صواريخ «سكود» من كوريا الشمالية الى دول اخرى تعتبر شرعية. ان الولايات المتحدة نفسها هي الدولة الاولى في تجارة الاسلحة العالمية اما تحليلها لنفسها ما تحرمه على كوريا الشمالية فانه ينبع من اعتبارين ذاتيين لا محل لهما في القانون الدولي. أولا: تتصرف واشنطن على هذا النحو انطلاقا من دوافع المنافسة التجارية في ميدان تجارة السلاح.. والقوة القهرية التي تستخدمها الادارة الاميركية لكسب المنافسة وسيلة غير شريفة. ثانيا: تتحوط اميركا ضد احتمال امتلاك اي دولة في الشرق الأوسط اسلحة هجومية يمكن ان تهدد امن اسرائيل أو وضعها التفوقي. ولو كانت الصواريخ المشار اليها من النوع طويل المدى لما سمحت واشنطن بوصولها حتى إلى ساحل اليمن «الصديقة». ثم من خول الولايات المتحدة سلطة تفتيش سفن تجارية في المياه الدولية تابعة لدول أخرى؟ لقد قامت قوات اسبانية باحتجاز السفينة الكورية قبل ان تصل قوات اميركية لفحص شحنتها، وكلا التصرفين لا يرتكزان الى قرار دولي. ان من المعلوم ان للولايات المتحدة وجوداً بحريا مكثفا وواسعا في منطقة الشرق الاوسط وان هذا الوجود تضاعف بعد احداث سبتمبر. ولاحتجاز وتفتيش سفن اجنبية في بحار المنطقة تتذرع الادارة الاميركية بان هذا المسلك مما يدخل في اطار اجراءات «محاربة الارهاب». ومثل هذه الذريعة لا يعادل عدم شرعيتها الا الخرق الاميركي (المسنود بريطانيا) لأجواء العراق الشمالية والجنوبية تحت اسم «مناطق الحظر الجوي» ودعوى «حماية» الاكراد والشيعة. فكلتا الذريعتين ابتداع اميركي لا يرتكز الى قرار من مجلس الامن الدولي او الى بنود ميثاق الامم المتحدة. اي مصداقية شرعية تملكها اذن هذه الدولة العظمى عندما تقول الآن للشعوب العربية ان لديها مشروعا لاشاعة قيم سيادة القانون والديمقراطية في العالم العربي، وهي لا ترى من اجل مصالحها وأهوائها اي بأس في خرق سيادة القانون الدولي؟ انه ليس سوى مشروع دعائي ينبغي على القوى الوطنية في العالم العربي ألا تنظر اليه بأي قدر من الجدية. وإلا فهل يعقل ان تضغط واشنطن على الانظمة العربية بقبول نظام تعددي ديمقراطي يفسح المجال لتنظيمات وحركات وطنية تعارض التواطؤ الاميركي ـ الاسرائيلي ضد الامة العربية والاسلامية وتقوم بفضحه على نحو يومي من على منابر حرة؟ ان الهاجس الاعظم للادارات الاميركية المتعاقبة يظل على الدوام هو دعم كفاءة الاجهزة الأمنية الداخلية في البلدان العربية والاسلامية لتواصل ممارسة القمع بأحدث الوسائل التكنولوجية.