الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 يستطيع الحاكم العربي، باطلاق هذه الكلمة تدليلا على الشمولية كما يقول اللغويون، أن يرد الكيل لرموز الادارة الأميركية وللكثرة الساحقة من اعلامييها على مسلسل الاتهامات التي يكيلونها له بالفساد والرشوة والمحسوبية واستغلال السلطة والديكتاتورية المقنعة، بل وعلى لوم أنفسهم لتقديمهم العون، وفي بعض الحالات الحماية، لأنظمة حكم لم تكن بمستوى الطموحات العربية - والأميركية أيضا !! - في التنمية والتقدم وفي معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة في بلدانها. وليس دفاعا عن الحاكم العربي أو تبريرا له، فمثل هذه الاتهامات بالذات توجه الآن من قبل المجتمع والاعلام الأميركيين للادارة في واشنطن، ان في المجالات التي تتعلق بسياسات هذه الأدارة وممارساتها في الداخل الأميركي أو تتعلق بسياساتها وممارساتها ازاء العالم الخارجي. الاختيار الأسوأ ـ في مقدمة هذه الممارسات، كما يقول ديفيد كورن في مجلة «The Nation» الشهرية الأميركية، يأتي تكليف الرئيس جورج دبليو بوش مستشار الأمن الوطني ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر بمهمة ينطبق عليها أنها «أشبه بتكليف رئيس صربيا السابق سلوبودان ميلوسوفيتش بالتحقيق في جرائم الحرب» التي يحاكم هو عليها - بترتيب أميركي قبل كل شيء - أمام محكمة دولية لجرائم الحرب في لاهاي بهولندا. فاختيار كيسنجر، الموصوف في طول الولايات المتحدة وعرضها بأنه «كذاب» و« متورط في جرائم حرب» وبأنه «منظم انقلابات عسكرية» و «قائد حروب سرية في العالم »، لرئاسة لجنة مهمتها التحقيق في تداعيات عملية الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 في نيويورك وواشنطن، وفي أسباب العجز عن اكتشاف العملية قبل حدوثها، لا تصح فيه لا مقولة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ولا دعوى أنه ليس بريئا في حد ذاته كما تحاول الادارة أن تقول. في الأولى، أي بالنسبة لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، يقول معلقون وكتاب أميركيون أن المتهم بالكذب، وباخفاء وثائق سرية، وبجرائم حرب موصوفة من فيتنام الى كمبوديا الى لاوس الى تشيلي ( ولم ينس العرب بعد دوره بعد حرب اكتوبر وعملية التسوية التي تلتها ) ليس مؤهلا، فضلا عن أنه لا يجوز أن توكل اليه، أي مهمة تحقيق خصوصا اذا كانت من النوع الذي كلفه به بوش. وفي الثانية، أي بالنسبة لعدم البراءة، يقول هؤلاء المعلقون والكتاب ان هدف بوش الخفي من اختيار كيسنجر للمهمة يتمثل في الثقة بأن هذا الأخير سيعمل على تبرئة الأدارة من تهمة التقصير ازاء الأشارات التي قدمتها وكالة المخابرات المركزية اليها حول العمليات لكنها لم تأخذها بالجدية اللازمة، ثم من تهمة التقصير في أثناء العمليات وقد استمرت اكثر من اربعين دقيقة، وحصر التهمة كلها بادارة بيل كلينتون السابقة لأنها لم تشن الحرب على بن لادن وأفراد تنظيم «القاعدة» قبل سنوات بل أعطتهم تأشيرات دخول واقامة في الولايات المتحدة. أكثر من ذلك، يقول أحد المعلقين، ان اللجنة هذه لن تنهي عملها وتصدر تقريرها الا قبل فترة وجيزة من موعد انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2004، ليشكل التقرير ضربة شبه قاتلة للحزب الديمقراطي ولمرشح هذا الحزب لمنصب الرئاسة في مواجهة بوش. ومن بين ما قاله كورن عن اللجنة : «أنها نكتة تدعو للغثيان عن أن الأسود هو الأبيض وأن الحرب هي السلام، وهي اهانة قاسية لذكرى اؤلئك الذين قتلوا يوم 11 - 9، وتحد فاضح لأي أميركي يعتقد بأن الرأي العام يستحق اجراء محاسبة كاملة لأعمال الحكومة، أو لافتقادها هذه الأعمال. انها كما لو أن بوش طلب من مستشاريه اقتراح اسم شخص يكون حرفيا أسوأ اختيار، وعندما فعلوا فانه قال فقط : «لنوقع عليه». ويختم مقالته بالقول : كان الرأي العام الأميركي سيكون في حال أفضل، وضحايا 11 سبتمبر سيكونون أكثر تكريما، من دون لجنة على أن تكون تلك التي يرأسها هنري كيسنجر «. ولعل مثل هذه الآراء هي التي دفعت بكسينجر الى الاستقالة من رئاسة اللجنة قبل أيام». تأريخ انتقائي ـ يأتي بعد ذلك كتاب بوب وودورد الأخير، بعنوان «بوش في الحرب» (Bush at War)، والذي يبدو أنه من طراز الفضائح التي اعتادت عليها بلدان العالم الثالث حيث يفتح الحاكم أبواب قصوره وخزائن أسراره ( وربما غيرها أيضا ؟! ) أمام صحافي ما ويقدم له كل ما يرغب به من أجل أن يؤلف عنه كتابا، ان لم ينفع في تحسين صورته وتكريسه شخصية مهمة في التاريخ، فهو يفيده في معاركه السياسية أثناء خروج الكتاب الى الأسواق. عن هذا يكتب فرانك ريتش في «النيويورك تايمز» انه اذا كانت الصحافة هي مسودة أولية لما سيكتبه التاريخ، فالصحافة في هذا الكتاب ( كتاب وودورد ) هي مسودة أولية للتقرير الذي ستكتبه ذات يوم عن نتيجة تحقيقاتها في عمليات الحادي عشر من سبتمبر. ذلك أن الادارة قدمت كل عون للسيد وودورد، كما أن الرئيس نفسه كان «منفتحا تماما» وصريحا بشكل كامل في ما أراد أن يقوله، على الأقل في ما أراده. وهكذا، يضيف ريتش، عمد البيت الأبيض، الذي حمى دائما تعاملات ديك تشيني ( نائب الرئيس ) في مجال النفط، الى تسريب وثائق الى بوب وودورد قد تبدو بالغة القيمة - محاضر اكثر من خمسين اجتماعا لمجلس الأمن القومي ولغيره من المؤسسات. عن هذا النوع من التسريب يقول نيوت غينغريتش ( نائب جمهوري محافظ ) انه لا معنى لقيام ادارة يفترض بأنها تحمي شخصياتها التنفيذية بالسماح لصحافي بأن يطلع على ما تمنع أعضاء في الكونغرس من ان يطلعوا عليه، الا اذا كان البيت الأبيض يريد من وراء ذلك أن يقدم صياغة من طراز معين لروايته الخاصة عشية توجهه لشن حرب جديدة. فخمسون اجتماعا لا تشكل تاريخا كاملا، الا أن السرد التاريخي في الكتاب هو سرد انتقائي بشكل استثنائي، ولكن ليس لأنه يقصر روايته على الأيام المئة الأولى التي تلت 11 ـ 9، بل لأنه يقلل عمليا ويختصر من أعمال الادارة الفاشلة، تلك التي ينبغي ان تقلقنا بينما نحضر أنفسنا للتوجه الى العراق. الاندفاع للحرب ـ تأتي بعد ذلك حرب العراق ذاتها، والضياع شبه الكامل الذي أوقع فيه بوش الرأي العام في بلاده من خلال ادعاءات تدرجت ادارته في توزيعها يمينا وشمالا لتبرير تلك الحرب، من دون أن تتمكن من ايجاد دليل جدي واحد على أي من الادعاءات التي ساقتها. ومثل أي حاكم آخر يتهمه بوش بأنه يقول ما لا يفعل، أو يفعل ما لا يجد شعبه داعيا أو مبررا له، أو بأنه يسخر الدولة واجهزتها لخدمة رغباته وطموحاته الشخصية، فأن بوش يستخدم حاليا ما لا يخطر على بال بشر للسير قدما في تنفيذ خطته. كان هناك أولا، كما يقول بات هولت في «الكريستشيان ساينس مونيتور» التناقض الفاضح في أقوال بوش عن عدم حاجته ثم عن حاجته الى قرار من الكونغرس أو من الأمم المتحدة لشن حربه على العراق، ثم كان التناقض في كلامه عما أسماه بالحرب الأيديولوجية في أفغانستان والحرب الجيوسياسية في العراق، وبعد ذلك كله في كلامه عن عدم الرغبة بالتورط في «بناء الدولة» في افغانستان وتراجعه عن ذلك بالنسبة لحربه المزمعة ضد العراق. ثم كان هناك، كما يقول فرانك ريتش في «النيويورك تايمز »، ادعاء الادارة بوجود علاقة بين النظام العراقي وتنظيم «القاعدة» وهو ما لم تعثر على دليل واحد عليه، وادعاؤها بأن هذا النظام يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة والذي لم تثبت صحته بدوره، وادعاؤها بأنه يمتلك أسلحة نووية أو في فترة لاحقة بأنه كان على وشك أن يمتلك هذه الأسلحة واللذين لم تستطع اثباتهما لا بواسطة اجهزة مخابراتها ولا عن طريق اجهزة مخابرات صديقها في لندن، توني بلير، وحديثها عن ضرورة تغيير النظام في بغداد وتمسكها في الوقت عينه بأن تغيير الانظمة هو مسؤولية الشعوب نفسها وليس من تبعات الشعوب أو الأنظمة الأخرى. حتى عندما اضطرت ادارة بوش للتوجه الى الأمم المتحدة، فان رئيسها خاطب الجمعية العامة ثم ردد مندوبه ذلك في مجلس الأمن الدولي بأن على المنظمة الدولية أن تعطيه تفويضا بشن الحرب على العراق وأن تعاونه في تلك الحرب والا فانه سيقوم بالمهمة وحده. وعندما تحفظ أعضاء في مجلس الأمن على الخيارين معا، فانه قدم صيغة عائمة للقرار تحمل الكثير من التأويلات، من بينها أن بوش وصفه بأنه تفويض له باستخدام القوة عندما يرى ذلك ملائما. وفي الوقت الذي كانت فيه لجان التفتيش الدولية تصل الى بغداد، وتلقى ترحيبا وتعاونا كاملين للآن من الحكومة العراقية ثم تتسلم منها بيانا تفصيليا عن برامجها للتسلح طيلة الفترة الماضية، فان رد الادارة الاميركية لم يكن سوى تسريع بناء القوة العسكرية استعدادا للحرب من جهة واثارة حملة تشكيك واسعة في بيان برامج التسلح من جهة ثانية. وأيا كانت غاية هذا الموقف الأميركي - مواصلة الضغط السياسي على بغداد، أو التحضير الفعلي للحرب، أو الضغط والتحضير معا - فلم يكن المشهد في الشارع الأميركي، كما تقول مجلة «النيو ربابليك »، على توافق كامل أو حتى جزئي مع لعبة الحرب التي كانت تديرها مجموعة الصقور في البيت الأبيض والبنتاغون. عدد المقالات في الصحف الأميركية التي امتدحت وزير الخارجية كولن باول، ودوره في اخراج بلاده من مأزقها من خلال أكثر من أربعين اتصالا هاتفيا اجراها مع قادة الدول أعضاء مجلس الأمن عشية صدور قرار المجلس الرقم 1441، تكفي لتكون مؤشرا على ذلك. ـ ماذا بعد ذلك ؟!. يقول جيمس برغمان وجوليا راينولدز في مجلة «The Nation» ، ان الولايات المتحدة هي احدى أكبر الدول التي يخرج منها السلاح ليصل مباشرة الى خلايا وتنظيمات الارهاب في العالم. أين تقف اذن اتهامات الادارة الأميركية لبعض الجمعيات الخيرية العربية، وحتى لبعض الدول مثل السعودية، بأن تبرعاتها للمؤسسات وللجمعيات والنوادي تصل في النهاية الى ايدي الارهابيين ؟! , يورد المؤلفان عددا من الأمثلة على الدور الأميركي في ذلك، من بينها أنه قبل سنوات طلبت حكومة كولومبيا من واشنطن اجراء تحرياتها لمعرفة مصدر حوالي خمسين بندقية من طراز «ماك-90» كانت القوات الكولومبية قد صادرتها من أفراد منظمة «جيش التحرير الوطني» فيها. وقد تبين بنتيجة التحريات أن هذه البنادق قد وصلت الى المنظمة الكولومبية عبر مهرب أسلحة كان قد اشتراها من الأسواق في منطقة ميامي. ومع أن «جيش التحرير الوطني» مدرج على لائحة وزارة الخارجية الأميركية الخاصة بالارهاب، يقول المؤلفان، فانه مثل غيره من المنظمات السرية في العالم يشتري أسلحته من احدى أكثر أسواق العالم حرية في بيع وشراء وامتلاك السلاح.. أي من الولايات المتحدة. فهذه الدولة، بحسب أجهزة تطبيق القوانين فيها، هي «دكان الوقفة الواحدة» One-stop Shop (للأسلحة التي يريد الأرهابيون والمرتزقة والمجرمون الدوليون على اختلافهم شراءها). أكثر من ذلك فلم تغير عملية الحادي عشر من سبتمبر شيئا من هذا الواقع، بل ان وزير العدل جون اشكروفت رفض السماح باستخدام سجلات بيع السلاح لملاحقة الجرائم فضلا عن أنه لم يقترح اقفال سوق السلاح للبيع بالمفرق للمواطنين ولمن يريد. ـ ويقول وليم بفاف في «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» ان قسما من انتلنجنسيا المحافظين الجدد في واشنطن يريدون تحويل «الحرب ضد الارهاب» التي تخوضها ادارة بوش حاليا الى حرب ضد الحضارة الاسلامية والدين الاسلامي. ويضيف ان شخصيات، مثل ايليوت كوهين من كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، وكينيث ادلمان من مكتب الاستشارات السياسية في وزارة الدفاع، انتقدا صراحة بوش لأنه حاول ابلاغ المسلمين بأن حربه ضد الارهاب وليست ضد الاسلام، وهما يقولان علنا ان الاسلام هو عدو أميركا لأنه دين غير متسامح، ولأنه معاد للقيم الغربية ويقوم على نظريتي التوسع والعنف. مع ذلك يصمت بوش على الموظف في ادارته فلا يقيله أو يطلب من الاستقالة مثلا، بل انه ربما يلعب على التناقضات داخل ادارته في هذا المجال تماما كما يفعل بين نائبه تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ومستشارته لشئون الأمن القومي كوندوليزا رايس ووزير خارجيته كولن باول. الا أن وليم بفاف يزيد على ذلك قائلا ان قطاعا من الطائفة الانجيلية البروتستانتية في الولايات المتحدة يرى ان الاسلام «شر »، ويتبنى هذا الرأي تماما الكاهن الذي رعى احتفال تنصيب بوش رئيسا في العام 2001. وبينما يصف الكاتب الأميركي ذلك بأنه لا يختلف عن التفكير العنصري ولا عن النظرية النازية باضطهاد اليهود فقط لأنهم يهود، ويقول ان العدو عدو ليس لانتمائه الثقافي أو الديني، فهو يؤكد ان نزاع المجموعات الاسلامية مع حكومة الولايات المتحدة يتركز حول مستقبل اسرائيل والفلسطينيين، حول السيطرة على النفط، وحول القوة الأميركية وتواجدها في المنطقة العربية والآن في آسيا الوسطى، ويدعو ادارة بوش لعدم المزج لا كلاميا ولا خصوصا عمليا بين الارهاب والاسلام. ان الولايات المتحدة، كما لا يخفى على أحد، عالم أول في التكنولوجيا والعلوم، وفي الصناعة والمال، فضلا عن القوة العسكرية الخ..، الا أنها، في ظل ادارة بوش الحالية، ليست في السياسة أكثر من دولة عالمثالثية.. وربما بامتياز. لقطع الشك باليقين، قد تفيد اعادة قراءة هذه السطور من البداية لادراك معاني وأبعاد ما يقوله الأميركيون عن أنفسهم في هذا الصدد. ـ كاتب لبناني