الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 تقدم الجنرال كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الاميركية أمام ميكروفونات وشاشات التلفزيونات العالمية على منبر مؤسسة «ميريتاج فوند يشن» في واشنطن ليعلن يوم الخميس الماضي عن برنامج اميركي استراتيجي لتفعيل الديمقراطية واحياء المجتمعات المدنية ونصرة المرأة في العالم العربي أساساً، حتى ولو تفنن واضعو هذا البرنامج في استعمال كلمة الشرق الاوسط. فمَنْ يمكن ان يكون مقصودا في هذا الشرق الاوسط غير بني يعرب من عدنانيين وقحطانيين؟! فإسرائيل تعتبرها واشنطن دولة ديمقراطية لأن فيها انتخابات وتداولا سلميا على السلطة.. ولا يهم ان كانت محاكمها تجيز التعذيب وترسانتها نووية وكيميائية وميكروبية، وعلى أرض فلسطين المحتلة عشرة آلاف سجين وضحاياها اربعة ملايين لاجيء فلسطيني، ومنظمة العفو الدولية تصدر التقرير تلو التقرير وتندد بإرهاب الدولة ضد النساء والاطفال والعجز والابرياء وبتدمير البيوت وتجريف الزيتون والرمان.. لا يهم ذلك ولا تهم قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن فالتصنيف الاميركي هو تصنيف منحاز ولكنه ليس تصنيفا خاطئاً. فبالفعل يتفق التحليل الاميركي مع تحليل النخبة المثقفة في العالم العربي على أن هناك اشكالية عربية في فقدان المناعة الديمقراطية ويكفي للتأكد من هذا الاقتناع مطالعة توصيات كل الندوات الجامعية المنعقدة خلال السنوات الاخيرة في العالم العربي، لمعرفة مدى النقص الفادح في تطبيق مباديء الشورى وصيانة الحريات العامة وقبول التعدد في العالم العربي بنسب متفاوتة ولكنها ضئيلة، وآخر هذه الندوات ندوة نظمتها جامعة الدول العربية للمفكرين في القاهرة في شهر مايو 2002، انتهت الى نفس التوصيات بتحقيق المجتمعات المدنية واحترام الرأي المخالف الذي لا يرفع سلاحاً ولا يعلن عصياناً في وجه الدولة، وتلتقي هذه التوصيات مع توصيات ندوة المجتمع المدني واشكالية التحول الديمقراطي في المجتمع العربي التي نظمها مركز الوثائق والدراسات الانسانية بجامعة قطر من 14 الى 16 مايو 2001، وغيرها من المناسبات. وتكفي مطالعة الادبيات العربية في الصحف والمجلات او الاستماع للبرامج الحوارية بالفضائيات، كل التيارات العربية الحديثة تؤكد على أن «طبائع الاستبداد» لا تزال قائمة من عهد عبدالرحمن الكواكبي الى اليوم. وان الدول العربية كما قال قائلون كثيرون لم تصل الى مرحلة الدول، بل ظلت في اغلبها سلطات رافضة للرأي المختلف، منغلقة على مبدأ السمع والطاعة، مغلقة لابواب الاعلام الحر، وعموماً ليس في مجتمعاتنا آليات تعبير أو مشاركة إلا من قواعد السلطة وحدها. وهنا يأتي التحليل الأميركي ـ وليس فقط تحليل الادارة الاميركية الراهنة أو تحليل كولن باول ـ ليرى أن الانغلاق ـ ومعناه الاستبداد ـ هو الرحم الذي يترعرع فيه الارهاب وليس العكس. وقد قال لي هذا الكلام شخصيا احد المثقفين والسياسيين الاميركان المرشح للرئاسة الاميركية ليندن لاروش الذي يحترم العالم العربي ويخلص في الدفاع عنه، كما قاله لي الصحفي الاميركي الشهير توماس فريدمان حين اشتركنا سوياً في ندوة الدوحة منذ شهرين حول العلاقات بين العالم الاسلامي وأميركا، وكتب في الموضوع نفسه رجل نزيه هو العالم اللغوي والمفكر السياسي الاميركي نعوم شومسكي، وخصصت جامعة «هوبكنز» الاميركية من جهتها لموضوع فقدان الحريات في العالم العربي ورشة عمل اكاديمية كادت تتحوّل الى كرسي لتفكيك الية احتقان الحضارة العربية امام موجات التحرر والليبرالية والغاء الحدود والحواجز التي تعيشها الانسانية المعولمة. وكما نجد التحليل نفسه لدى الطبقة السياسية في الاتحاد الأوروبي، والعالم بأسره لم يعد يفهم كيف لم يتطور مسار الحضارة العربية منذ عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر الى حالة نهضوية كتلك التي تعيشها اليابان أو تتمتع بها مجتمعات الاتحاد الاوروبي. بل ظلت الشعوب العربية تراوح مكانها في اشكال غريبة من الحكم، منها ما يرفع الى اليوم شعارات الثورة! بمجالس قيادة الثورة! ثورة على مَنْ؟ ومنها ما يطبق الى اليوم قوانين الطواريء وانعدام الضمانات القانونية بتحلة ان الدول في حالة مواجهة مع العدو.. أي عدوّ؟ إن اميركا اليوم امام تراكمات اخطائها الكبرى وخياراتها الخاطئة.. في موقف مضحك: تخصص 29 مليون دولار لتفعيل الديمقراطية والحريات، بينما هي تفتح معسكر غوانتانامو وتمارس التعذيب والقتل في فلسطين. واجدر بإدارتها ان تعيد حساباتها الاستراتيجية على أسس اخلاقية كدولة عظمى انفردت بالقوة والنفوذ في عالم يرزخ ثلاثة أرباعه تحت المظالم والاستبداد والفقر والوباء، اسبابها التاريخية العميقة هي العمى الاميركي منذ نصف قرن عن تبين الحق من الباطل والرشد من الغي، هذا العمى الذي يتواصل في فلسطين ولدى الشعوب المقهورة ليفرّخ العنف والفوضى وينشر الدمار. ـ أستاذ قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmil.com