الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 حتى موعد انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في بداية هذا الأسبوع كان الكثير من المعلقين يعتقدون أن هذه المعارضة هي مجموعة من الغاضبين أو طالبي السلطة أو المطاردين في الخارج، قوى لها أصوات وليس لها قدرات، تعرف ما ترفض ولا تعرف ما تريد، وكانت الصورة السلبية لهذه المعارضة تزين لها الحكومة العراقية من جهة، وبعض المتنافسين من العراقيين أنفسهم من جهة أخرى، فتظهر الصورة وهي ابعد ما تكون عن المأمول، كما كانت اغلب الدول لا تأخذها مأخذ الجد، خوفا من النظام العراقي أو اتقاء للدخول في متاهات سياسية غير مستحبة. ومع انعقاد مؤتمر المعارضة العراقية الذي ضم اغلب تياراتها، وقد اخذ وقتا أطول مما هو متوقع لانعقاده، أصبحت المعارضة العراقية واقعا ملموسا، يتعدى الجماعات التي تشكلها، لتكون جسما سياسيا قائما بحد ذاته، له مواصفات وله مطالب وأهداف واضحة يسعى لتحقيقها، ومؤشرا قويا للداخل العراقي على صدقية المطالبة بالتغيير والعمل من اجله. أن يعقد المؤتمر وينجح فذلك إنجاز، ولكن العقبات أمام نتائجه كبيرة وكثيرة، لعل أولها العلاقة بالولايات المتحدة، وهذه العلاقة هي في الحياة السياسية العربية ملتبسة، وموقع جذب سلبي للمشككين والناقدين، ولا يخفى أن المدخل لمثل ذلك النقد السلبي هو العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وما يشوبها من التباس، وقد ترك ذلك مرارة في حلوق كثير من العرب، وببساطة يُمرر هذا الالتباس على المتابع العربي إمكانية أية استفادة من جهدها في ملفات أخرى، خاصة الملف العراقي، فيسهل انتقاد المعارضة العراقية من هذا الجانب أمام جمهور لم يعترف بعد انه حتى أصحاب القضية الأولى (فلسطين) يسعون حثيثا لخلق ارتباط جدي وايجابي للولايات المتحدة مع قضيتهم، إلا أن الجمهور العربي العام مازال تحت وطأة تلك العلاقة السلبية التي تراكمت لسنوات. الخطر والرهان واخطر ما يمكن أن تخوض فيه المعارضة العراقية أن تقع في خطأين، الأول أن تستجيب (لتقية) من نوع ما، فتعلن البراءة من الولايات المتحدة إرضاء للجمهور، في الوقت الذي تتعامل فيه معها خلف الأبواب، والثاني أن تتبرأ علنا من هذه العلاقة تحت ضغط المزايدات، وكأنها علاقة محرمة وتدخل كمكون معطل في الجدل بين القوى السياسية العراقية المختلفة. في الحالتين تصبح المعارضة العراقية وكأنها تدخل نفس مدخل من تريد التخلص منه، وهو النظام الحاكم في بغداد، فهو قد تعامل مع الولايات المتحدة عندما كان ذلك ضرورة لبقائه، وجافاها ووقف منها موقف العداء عندما لم تستجب أو تتغاضى عن طموحاته. هذا الخطأ الاستراتيجي لو وقعت فيه قوى المعارضة العراقية، أو كما أصبح اسمهم منذ الآن وصاعدا (العراقيون الأحرار) فهي تقع في موقع ضبابي، لن ينفع كثيرا مستقبل العراق، لان هذا المستقبل سوف يفتح على ملفات قديمة، ويتعامل مع شعارات قديمة أيضا، ليس مطلوبا تكرارها، مع أن المطلوب هو الاعتراف بالتعددية وقبول الآخر، وتحويل العراق وطنا للجميع، بعد أن أصبح مزرعة للقلة. من الأوفق تسمية الأمور بمسمياتها الواضحة من البداية، فالولايات المتحدة لها مصالح كبيرة في التخلص من النظام العراقي، والمعارضة العراقية في الداخل والخارج كذلك، واتفاق المصالح ليس مثلبة في العلاقات الدولية، لا اليوم ولا في تاريخ العلاقات بين الأمم الضارب في القدم. المهم أن تتوصل المعارضة العراقية في الداخل والخارج إلى معرفة الأسباب التي تجعل من الولايات المتحدة في هذا الوقت بالذات حريصة على التغيير في العراق. بعض التفسيرات المنتشرة بين المعلقين العرب أن الولايات المتحدة تريد التغيير لأسباب (نفطية) وذلك قصور في التحليل، قد يشكل النفط أو الموضوع الاقتصادي جزءاً، ولكنه جزء صغير من الموضوع كله، وبعض التفسيرات تتحدث عن (التخلص من أسلحة الدمار الشامل) وقد يكون ذلك جزءاً وربما اكبر من الجزء الاقتصادي، وله علاقة بالرأي العام الغربي، ولكن كلا العاملين لا يشكلان الأسباب الكبيرة أو الحقيقية للمساعدة في التخلص من النظام. يراهن كثير من اللبراليين العرب والعراقيين منهم على وجه الخصوص، بأن الأسباب الحقيقية للتخلص من النظام العراقي هي قناعة رسخت في الفكر السياسي الغربي منذ الحادي عشر من سبتمبر أن (الحكومات الشمولية) أو بتعبير آخر (الدكتاتوريات): هي مصدر كل الشرور: الحروب غير المنقطعة والتجهيل بالغ الأذى، وسريان الفساد وتعطيل قدرات المجتمع، وتسهيل تصدير الإرهاب. كما أن إمكانية الانقلاب عليها بسبب فسادها يصبح ميسورا ويؤدي إلى قيام أشكال من الحكم أكثر سوءاً منها، تقود هي بدورها إلى توتر عال بين الحكومات الجديدة وبين المجتمع الدولي الخارجي و المجتمع المحيط بها، كما حدث للانقلابات العسكرية المتكررة في البلاد العربية، فالتخلص في النهاية من الدكتاتورية هو إزالة لشرور كثيرة، إلا أن الأهم من ذلك هو قيام حكومات تعترف بالتعددية وتنفتح على مجتمعاتها وتكون قادرة على امتصاص التناقضات في مجتمعها بآلية حديثة. إذا وصلت المعارضة العراقية إلى هذا التحليل، فان المطلوب منها بالضرورة نقيضه، وألا أصبح التغيير في الأشخاص، وليس في السياسات، وهو ليس المستهدف على وجه الإطلاق. كما أن هذا التغيير إلى التعددية هو اعتراف بالواقع الذي تجاهلته أنظمة كثيرة، تحت الاحتماء خلف شعارات مثل (الوحدة الوطنية) و(محاربة العدو الخارجي) وهي شعارات جيدة لو فُعلت بشكل صحيح، ولكنها استخدمت من اجل قمع الآخر وتهميشه وحرمانه من حقوقه الأولية والبسيطة، مثل حقه في أن يناقش السياسات التي تؤثر عليه، كالحرب والسلام على سبيل المثال الذي استنزف أهل العراق، فالعراق ليس عربا فقط وليس شيعة فقط وليس تركماناً فقط انه كل ذلك معا. التطلع إلى المستقبل ما أوصل الحال في العراق إلى ما وصلت إليه هو (استخفاف) النظام العراقي في السنوات الطويلة الماضية ب(المعارضة) و(الآخر) أيا كانت مطالبه، فقد كانت توصم بأسماء سلبية كثيرة، وكان يعتقد أنها مهمشة وغير مؤثرة، وانه يمكن أن يحيط النظام تحركها بتخويف وإرهاب أو متابعة وتقص أو حتى استئصال، وظواهر العمل السياسي في المجتمع، مثل الظواهر المرضية في جسم الإنسان، تبدأ صغيرة وغير ذات بال، وتكبر إن أهمل علاج أسبابها، ولقد أهمل النظام العراقي أسباب العلاج لفترة طويلة، وهو يرى التغيير من حوله يسير باتجاه لا شك فيه، وهو التعددية واحترام حقوق المواطنة. من الأوفق أن تتعرف المعارضة على كل ذلك من اجل الا يقع ارتكاب الخطأ نفسه من جديد، والمؤسف أن البعض، تحت شعارات كثيرة، مازال يعيش في الماضي، ركونا إلى شعارات لم يثبت صحتها في تجارب كثيرة. المراهنة الحقيقية في المستقبل هي على قدرة أو عدم قدرة الجماعات السياسية العراقية المختلفة على تقديم النموذج البديل، والعمل على حل المشكلات السياسية في مرجعية قانونية يرتضيها الجميع. ونجاح أو فشل ذلك لن يؤثر فقط في مستقبل العراق بل والمنطقة بأكملها. ـ كاتب كويتي