الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 مقولة طه حسين القديمة حول أدوار الفعل الثقافي في العواصم العربية ربما احتاجت لاعادة نظر أو اعادة توزيع، والمقولة توزع الادوار على ان «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» فهل لعب الزمان وتحولات السياسة والأزمات الاقتصادية التي قصمت ظهر هذه العواصم دورها في تغيير الدور يا ترى؟! مازالت القاهرة تكتب، لكنها ليست وحدها، فكتّاب ومثقفو المغرب العربي يسجلون انتصارات لا بأس بها في عواصم أوروبا عبر جوائزها وعبر كم التراجم لنتاجاتهم، وإذا كان نجيب محفوظ عملاق الرواية العربية قد طار باسم مصر نحو العالمية في مجاله الابداعي، فإن غيره كثيرون من مبدعي مصر ممن ترجمت أعمالهم الى لغات العالم، لكن القاهرة ليست وحدها من يكتب كما كانت سابقاً. أما بغداد فهذه حكاية تروى وتاريخ مشهود عبر الزمان، صار اليوم معروضاً على الهواء مباشرة، وعلى صفحات الانترنت وصحف الدنيا، صار معارضة تغازل واشنطن في وضح النهار وتتعيش على مساعداتها وتستقوي بها لأنها كما يقول أقطابها ومؤيدوها لا طريق آخر أمامها سوى واشنطن. بغداد لم تعد تقرأ، لأن الذين يقرأون وينظمون الشعر ويرفعون الأدب عالياً، تفرقوا في أصقاع الأرض بحثاً عن أمان وعن بيت لا يشبه بيت الشعر ولا يعوض عنه.. بغداد صارت تبيع كتبها على قارعة الطريق لتشتري أرغفة خبز وزجاجات دواء لأطفالها، تماماً كما أحرقت كتبها وقذفت في دجلة ذات يوم أسود كلون الحبر. وتبقى بيروت مطبعة العالم العربي ومقهاه الثقافي الجميل، ولا ندري كيف ينهض هذا البلد الصغير الذي يشبه عصفور الدوري في جماله ورقته من كل هذا العثار والدمار والحروب ليبتسم وليتألق وليعجن الثقافة والكتب ليقدمها لجامعي الثقافة والقراءة في شوارع العالم العربي.. بيروت ظلت تطبع منذ ان دخلت أول مطبعة الى بلاد الشام في سبعينيات القرن التاسع عشر وحتى اليوم برغم الحرائق والرماد والجثث والدمار. وفي هذه الأيام يتألق لبنان في فضاء الشارقة الثقافي من خلال الأيام اللبنانية الثقافية، ليقدم لنا لبنان الأنيق الأخضر نفسه كما عرفناه وكما أحببناه جميعاً: لبنان التجارب المسرحية الرائدة، والمدارس التشكيلية الحديثة الحرة، ورموز المسرح الكبار، والأهم والأبقى لبنان كحركة طباعة وثقافة مازالت تحتفظ بمكانتها في مجال الصناعة الثقافية إذا صح القول كأكبر وأضخم نتاج ثقافي من حيث المداخيل المعلنة في الاحصائيات الرسمية، ما يعني ان مداخيل الطباعة تفوق مداخيل صناعة الفيديو كليب بشكل كبير جداً. لبنان بلد جميل وهو الأغنى بالآثار، والأكثر اغراء للسياح وطالبي السياحة الأنيقة، ولبنان جميل لأنه يعشق الجمال ويعتني بتفاصيله، ولأنه أولع بالجمال من بوابات الثقافة، فصار فنه ثقافة، وسياحته ثقافة، وحتى حروبه وطائفيته وصراعاته الداخلية، وصرنا نحن محبي لبنان، نتعامل معه على انه حالة ثقافية لا بديل لها ولا تعويض عنها، وصار من الحق ان ينصف لبنان ثقافياً، وان يعاد له دوره الحضاري الذي ظل ملازماً له على انه واجهة العالم العربي الثقافية، وساحة المثقفين ومنتداهم ومطبعة العالم العربي. في كتابه «الصناعات الثقافية في لبنان» الذي صدر حديثاً عن المركز اللبناني للدراسات يؤكد المؤلف فارس أبي صعب ان مداخيل الحركة الثقافية في لبنان في مجملها حتى ما احتسب عليها مما يعرف بالحركة الفنية الغنائية يصل الى 675 مليون دولار سنوياً، وبرغم الانفاق الضخم على الحركة الفنية الغنائية وبرغم ما يكلفه انتاج الألبومات وأغاني الفيديو كليب وبدعم الاموال الخليجية في معظمه (80%) إلا ان مدخول هذا القطاع لا يتجاوز 50 مليون دولار فقط، في حين انعدام الدعم العربي لصناعة الكتاب في لبنان، إلا ان هذا القطاع مازال يحتل المركز الأول بمدخول يتجاوز الـ 200 مليون دولار سنوياً!! بينما لا ترصد الدولة لهذا القطاع الذي يعطي لبنان هويته وجمالياته سوى 05 من الميزانية العامة (لعام 2002). علينا جميعاً ان نعمل كي يبقى لبنان شرفتنا الجميلة المطلة على حدائق المعرفة والجمال، ولكي يبقى كذلك على أهله ان يحبوه وعلينا نحن المدينين له ثقافياً ان نعشقه.. بذلك يبقى لبنان أخضر كاخضرار أشجار الأرز على جباله ومنحدراته.