الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 في نيويورك أمضيت شهرين ونيفا حتى أوائل ديسمبر الحالي.. كانت المهمة تتعلق بالعمل الاعلامي للأمم المتحدة وقد بدأت مع اليوم الأول من شهر اكتوبر وهو ذروة انعقاد الجمعية العامة للمنظمة الدولية في دورتها السابعة والخمسين التي انتهت بدورها منذ أيام قلائل.. اكتوبر ـ كما لا يخفى على معارفك ـ شهر الخريف في الأصقاع الشرقية الشمالية من أميركا أو هو شهر «السقوط» حرفيا كما يقول تعبيرهم المحلي الأثير.. ويعنون به سقوط أوراق الشجر من فوق أفنانها الى ان تصبح الأشجار.. مجردة من غطائها النباتي المبارك بالخضرة.. تصبح مهيضة الجناح مكسورة الخاطر تعيش قسوة الشتاء وسط أنواء العواصف وصقيع الزمهرير ولكنها تظل في حال من الانتظار الى ان يوافيها الربيع مع فواتح ابريل ريثما تكتسي ببركة الخضرة من جديد. بالمناسبة كان الكاتب الأميركي الأشهر «آرثر مللر» قد أصدر روايته بعنوانها الانجليزي «أفتر ذي فول» ولأمر ما شمر المترجمون المصريون عن ساعد الجد بغير روية فإذا بهم يترجمونها على أنها «بعد.. السقوط» دون ان يفهموا ان صاحب العمل الفني كان يقصد طبعا «بعد الخريف» وعرضت المسرحية أكثر من موسم وفوق أكثر من خشبة مسرحية وتناولتها أقلام محللين ونقاد.. ولسنا ندري هل تجاسر بعضهم فأمعن في «تحاليل وتخريجات» نقدية عميقة الغور عن سقوط الانسان وخطايا البشر والى آخر ما لم يكن يقصده المؤلف الغلبان الذي كان ـ كما أسلفنا ـ يتحدث في بساطة عن مرحلة ما بعد.. الخريف. على غير عادتها تلقفتها نيويورك بسحنة متجهمة وملامح مقطبة وأسارير تعكس ما يعتمل في حناياها من ارتباك في الفكر وتعثر في الخطى ورثاء للنفس.. ثمة ظلال من الكآبة وأحيانا من الغلاسة كما يقول التعبير المصراوي(هي أصلا الغلاظة) يكاد المرء يلمحها وقد رانت على الأماكن والسحن وكأنها تطل من أركان الزوايا وشعاب الطرقات.. هو نوع من الهم الجماعي والقلق المشترك والنظرة الساهمة الى ما يطويه مستقبل مجهول. على غير عادتنا أيضا.. ولأن النفس كانت مصدودة.. والشهية الفنية ـ الوجدانية كانت كسيرة.. فلم يقدر لنا ان نشاهد ما تعرضه دوائر برودواي من مسرحيات وموسيقيات (ميوزيكالس) وهي تلك العروض شبه الاوبرالية ـ الأوبريتات التي أصبحت تجمع بين ابداع الدراما وسلاسة الشعر وفن الايقاع الحركي (الكلوريوغرافي) وبين أحدث ما توصلت اليه عبقرية التكنولوجيا في تحريك المجاميع وفي تحويل خشبة العرض المسرحي الى لوحات مفعمة بالحيوية.. نابضة بالحياة.. ولأن ميديا التلفزيون أصبحت ـ للأسف الشديد ومع استثناءات قليلة بل نادرة ـ مشوبة بل مصابة بداء التحيز وأحيانا التعصب ضد العرب والمسلمين وضد الشرق الأوسط والعالم الثالث بشكل عام ـ فقد كدنا نولي التركيز.. أو نضع همنا كله في سطور الصحف الصادرة في نيويورك. وحتى هذه الصحف كانت ـ ولا تزال ـ بحاجة الى ممارسة أصعب أساليب الانتقاء ـ في مانهاتن عليك ان تتحاشى قراءة صحف التابلويد بالذات. هذا وإلا أصابك ـ بعد الشر ـ قدر غير محسود من ضغط الدم من فرط الغيظ ووطأة الاستفزاز.. في طليعة صحف التابلويد ـ وهي جرائد الاثارة الشعبية التي يقرأها معظم الناس في باصات المدينة أو قطارات الضواحي ـ تتربع جريدة «ديلي نيوز» التي زادت معدلات توزيعها في التسعينيات على ثلاثة ملايين نسخة يوميا وهو أكبر معدل لتوزيع مطبوعة يومية تصدر في الولايات المتحدة. ومع ذلك فأين هي من توزيع جريدة «أساهي» اليابانية العملاقة وقد زاد على تسعة ملايين ونصف مليون نسخة يومية مما يجعل المحروسة «أساهي» أكبر جرائد العالم توزيعا.. سبحان العاطي الوهّاب لأصدقائنا أهل اليابان.. ومع ذلك أيضا ـ والإحصاءات تحكم ـ تعود الولايات المتحدة لتحتل موقعا مرموقا يرقى الى مكانة القمة في مجال التوزيع الشهري لمطبوعة في مكانة مجلة «ريدرز دايجست» الشهرية ـ المختار في طبعتها العربية ـ وقد سجلت حتى السنوات الأخيرة معدلا توزيعيا كاد يلامس مستوى 18 مليون نسخة شهرية بالتمام والكمال! منذ سنوات قلائل زرنا منطقة «شاباكوا» وهي قرية صغيرة وادعة وجميلة في شمالي ولاية نيويورك واسمها مستمد من لغات الهنود الحمر، سكان أميركا الأصليين وحين مررنا بجوار مبنى باذخ سامق تتقدمه حدائق منغمة التشذيب.. أشار مضيفنا بغير اكتراث الى البناية الضخمة قائلا: هذا مقر مجلة «ريدرز دايجست» وقد عمدوا الى اقامته هنا والى اصدارها من هذا المكان طلبا للهدوء وإيثارا للسكينة وتجنبا للتلوث السمعي وربما الفكري أو السياسي في مدينة نيويورك.. وبالمناسبة كذلك فقد بدأ العالم يسمع اسم القرية المذكورة شاباكوا حين قررت السيدة هيلاري ان تشتري فيها بيتا لتقيم فيه عائلة الرئيس السابق للولايات المتحدة.. ويومها تعمدت الماكينة الدعائية لآل كلينتون ان تنشر أخبارا عن أموال البنوك التي اقترضتها العائلة لزوم رهنية البيت الجديد.. وعن رغبة العائلة الرئاسية السابقة في مكان تخلد فيه الى راحة البال وتدوين المذكرات.. وسرعان ما اتضح ان هذا كله كان مجرد «بروباغندا» فالذي حدث ان السيدة هيلاري كانت تريد ان تزرع نفسها في ولاية نيويورك لزوم الترشيح من بعد لدخول مجلس الشيوخ.. في حين ان زوجها السيد كلينتون لم يخلد الى راحة ولا الى حياة التقاعد الرئاسي.. بل عمد ـ في لمحة ذكاء معهود فيه ـ الى اتخاذ مكتب استشارات في قلب هارلم.. حي السود ـ الزنوج الذين سعدوا بهذا الاختيار ولم يقصروا في ان يطلقوا على الرئيس السابق لقب: «جار الهنا والأخ العزيز». مع هذا كله فالعبرة ليست بحجم الانتشار ولا بأرقام التوزيع.. بل هي بقدرة التأثير وعمق الطرح وشعور المسئولية الذي يتمسك باحترام عقلية القارئ.. وهنا يلوح اسم جريدة «نيويورك تايمز» التي يطلقون عليها في الأوساط الاعلامية الأميركية وصفا يقول: ـ إنها السيدة الكبيرة الرصينة بين الصحف الأميركية وقد سبق لمجلة «تايم » الشهيرة ان كتبت عنها قائلة: ـ فلنكن صرحاء.. تلك هي الصحيفة القومية في الولايات المتحدة.. وبخلافها تظل الصحف الأخرى عبارة عن تجميعات محلية للنشرات الصحفية ومن ثم فهي مطبوعة لا يمكن الاستغناء عنها. صحيح ان ثمة منافسا قويا الى حد الشراسة هو جريدة «وول ستريت جورنال» التي تتميز كما يقول صحفي بريطاني كبير هو «هنري فيرلي» بأنها متفوقة في فن القصة الاخبارية بمعنى فن خدمة الخبر بزواياه وأبعاده المختلفة ـ إلا ان «التايمز» كما يسمونها في شوارع مانهاتن ما زالت تتميز بمحاولاتها الدؤوبة ان تتبع نهجا لا نقول انه محايد باستمرار أو منصف على طول الخط ولكن نقول انه يحرص على نوع من التوازن ويحاول ان يعطي لطرفي القضية فرصة معقولة التكافؤ لكي يدلي كل منهما برأيه.. إنها استقامة المهنة قبل ان تكون أخلاقيات السلوك.. يتجلى هذا التفوق صباح الأحد حين يصدر العدد الأسبوعي من «نيويورك تايمز».. يبلغ وزنه نحو 3 أرطال ويصل عدد صفحاته الى 350 صفحة ويحاول مخاطبة كل الأذواق والمشارب والأعمار ويصنفونه عالميا بأنه أفضل طبعة أو ملحق أسبوعي لجريدة صادرة.. ويتناقلون كذلك نصائح المخضرمين من الأجيال الماضية من القراء تقول: ـ حين تشتري هذا الملحق الاسبوعي بادر الى تقسيمه وتوزيعه على الطاولة ولا تسولن لك نفسك ان تأخذه كله كي تقرأه في الفراش هذا وإلا.. فالنوم سلطان، والنعاس قد يغلب القارئ وتنهال عليه محتويات الملحق الاسبوعي.. ويكون المصير هو إخماد الأنفاس والانتقال الى الرفيق الأعلى.. تماما كما كان مصير أديب العربية الأشهر أبي عثمان الجاحظ عليه ألف رحمة ونور.