الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 الخيار محدد وقاطع امام الولايات المتحدة بشأن المسألة الديمقراطية في العالم العربي: إما تحكيم المباديء ولو على حساب المصلحة.. وإما الانحياز الثابت للمصلحة مع التضحية بالمباديء غير مأسوف عليها. من خلال هذه القاعدة الازدواجية فقط ننظر في المشروع الاميركي الذي قدمه وزير الخارجية كولن باول باسم «مبادرة شراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط». وبنظرة سريعة ابتداء لتاريخ العلاقات الاميركية العربية التي بدأت على نسق جاد في اعقاب الحرب العالمية الثانية نجد ان الادارات الاميركية المتعاقبة جميعها دون اي استثناء من عهد هاري ترومان والى عهد جورج بوش الابن عبوراً بعهود دوايت ايزنهاور وجون كيندي وليندون جونسون ورتشارد نكسون وجيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريغان وبوش الأب وبيل كلينتون اعتمدت المصلحة الاميركية ـ الاسرائيلية المشتركة مرتكزاً اوحد للتعامل مع العالم العربي. وللمحافظة على اعتبارات هذه القاعدة الذاتية لم تتجاهل الولايات المتحدة انظمة الحكم الاستبدادية فحسب، بل دعمتها بكل اسباب البقاء والحماية وأمدتها بأسباب القوة السلطوية اللازمة لقهر اي تحركات تنهض لتطالب بالحرية وسيادة القانون. وبما ان ثوابت السياسة الاميركية الراهنة لاتزال تنطلق من هذه القاعدة الشريرة، فإن مشروع باول لا ينطوي إلا على قيمة دعائية.. ضحلة وسخيفة وساذجة في ان معا، ولا اظن حتى الأميين في العالم العربي يمكن ان تجوز عليهم هذه الخدعة الغبية. ان اداة السياسة الدولية المفضلة لدى واشنطن هي «فرض العقوبات». لكن من بين 35 دولة وقع عليها نظام عقوبات اميركي في انحاء العالم، بما في ذلك دول عربية، ليست هناك دولة واحدة عوقبت لان نظام حكمها استبدادي.. إلا ان تكون اتخذت موقفاً ما يتعارض مع منظومة المصالح الاميركية ـ الاسرائيلية. من هنا نقول اذا كانت الولايات المتحدة جادة حقا في «تعزيز الديمقراطية ودور المجتمع المدني» في العالم العربي كما يقول المشروع فانها تعلم علم اليقين ما هي تلك الدول التي ينبغي فرض عقوبات عليها بسبب التغييب الكامل للديمقراطية. يكفي فقط ان تنظر الادارة الاميركية في احدث تقارير «منظمة العفو الدولية» ومنظمة «ميدل ايست ووتش» لترى العجب: ألوف مؤلفة من سجناء الرأي معتقلون لسنين متصلة دون محاكمة ويخضعون للتعذيب البدني والنفسي بكل فنونه.. وبعضهم يلفظ انفاسه داخل المعتقل من فرط التعذيب ولا يحاكم من تسببوا في قتله.. واقاربه يحتجزون ويعذبون فقط لأن من بين اعضاء الاسرة مطلوباً هارباً او مقيماً في الخارج. وهذا يجري في دول مصنفة اميركيا كدول صديقة أو حتى حليفة. لماذا تتجاهل اميركا المعتقلين السياسيين في السجون العربية؟ لانهم ببساطة يمثلون تلك المنظمات والحركات التي تعارض السياسات والممارسات الاميركية تجاه العرب والمسلمين انطلاقاً من ثوابت اجندة ـ صهيونية. وتعلم واشنطن انه في حالة توافر حريات اساسية في العالم العربي فإن هذه المنظمات والحركات سوف تكون المستفيد الاول من الديمقراطية خاصة وان مصداقيتها في الشارع العربي اقوى من مصداقية غيرها.وللمشروع الاميركي جانب اقتصادي يوحي وكأن الولايات المتحدة أضحت فجأة حريصة على احداث انتعاش تنموي في العالم العربي، وهنا تبلغ الخدعة ذروتها. ان قاصمة الظهر التي تقعد بالاقتصادات الوطنية في بلدان العالم العربي الفقيرة تتمثل في حقيقتين: أولاً: اقتطاع نحو 90 في المئة من الحصيلة السنوية للنقد الاجنبي في اي واحدة من هذه الدول للوفاء بأقساط ديون خارجية معظمها لصالح بنوك اميركية، مما يجعل هذه الدول في حالة فقر مستديم لا امل في الفكاك منه علما بأن اكثر من نصف المديونية فوائد ربوية. ثانيا: فرض اجراءات تقشفية بالغة القسوة على شعوب هذه الدول بواسطة «صندوق النقد الدولي» ـ الذراع المالية للسياسة الخارجية الاميركية ـ من اجل توفير المزيد من الاموال لمواصلة سداد الديون الخارجية. واذا كانت الولايات المتحدة جادة حقاً في مشروعها الجديد فإن المطلوب منها ببساطة هو أولا، تخليص البلدان العربية الفقيرة من عبء الديون فوراً، وثانياً كف يد «صندوق النقد» لانه بدون هاتين الخطوتين الاساسيتين سوف يبقى الاقتصاد الوطني في هذه الدول في حالة شلل شبه كامل. لكن المشروع الاميركي لا يخلو من نكتة.. فكاهة سوداء على الارجح.. وهي ان الاعتماد المالي الذي رصدته الادارة الاميركية لتنفيذ المشروع يبلغ 29 مليون دولار، ويا له من اعتماد.