الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 بقدر ما بدت قمة كوبنهاغن الاوروبية اختبارا حقيقيا لعلاقة الاتحاد الأوروبي بتركيا بقدر ما بدت هذه القمة تحدياً لخيار تركيا في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وهو الخيار الذي أجلته القمة الى نهاية عام 2004، ومع ان زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب اردوغان اعتبر قرار الاتحاد الاوروبي تجاه تركيا «ليس قرارا سلبيا»، الا ان هذا السياسي البارز قد ادرك اهمية هذا التحدي مبكرا، اذ فور فوز حزبه في الانتخابات قام بجولة شملت معظم العواصم الاوروبية بهدف واحد هو ضمان موافقة قمة كوبنهاغن على تحديد موعد بدء مفاوضات العضوية مع بلاده، مبديا استعداده اجراء اصلاحات سياسية واسعة في البلاد على طريق تأهيله للأوروبية الا ان جولة اردوغان لم تضمن فيما يبدو الموافقة الاوروبية المنشودة من قبل تركيا، فقد اكد بعد جولته في حوار مع صحيفة راديكال التركية بتاريخ 21/11/2002 «في كل الاحوال لن نغير ديننا من اجل دخول الاتحاد الاوروبي»، اردوغان كان يقول هذا وهو يتذكر جيدا ما قاله الرئيس الفرنسي الاسبق فاليري جيسكار ديستان رئيس الاتفاقية حول مستقبل اوروبا: «ان دخول تركيا الاتحاد سيكون نهاية الاتحاد.. ان تركيا ليست بلدا أوروبيا..» كذلك كان يتذكر ما قاله ايضا وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان من «ان مسألة انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي يطرح مشكلة هوية اوروبا وحدودها» ومع ان اردوغان يدرك جوهر هذا الكلام الذي يعبر عن البعد الحضاري في السياسة الاوروبية واختلاف هذا البعد عن هوية تركيا الاسلامية الا ان اردوغان بدا مستعدا للدخول في صفقات سياسية في سبيل الفوز بخيار تركيا الاستراتيجي في الانضمام الى العضوية الاوروبية، لقد بدا له ان الاتحاد الاوروبي بحاجة ماسة في قضيتين: الاولى: قضية تشكيل جيش اوروبي وعدم اعتراض تركيا على استفادة هذا الجيش من قدرات الحلف الاطلسي. والثانية: تسوية القضية القبرصية قبل عام 2004 موعد انضمام قبرص الى عضوية الاتحاد. وفي الواقع امام هذا الوضع اراد اردوغان ان يلعب لعبة السياسة مع الاتحاد الاوروبي، فقد وافق على بحث القضيتين في اطار حوار جدي رابطا الحل النهائي للقضيتين بموافقة الاتحاد على بدء مفاوضات العضوية مع بلاده. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ماذا لو نجحت الصفقة بين الجانبين؟ دون شك، الاسئلة التي تطرح نفسها هنا كثيرة وهي من نوع، هل نجحت النخب التركية في تحقيق المعادلة الصعبة، معادلة التوفيق بين الهوية الاسلامية المتأصلة في البلاد والعلمانية الاوروبية؟ بين العصرنة والبنى التقليدية للمجتمع التركي؟ وفي الوقت نفسه فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه على الاتحاد الاوروبي، هو: هل الاتحاد بقبوله دولة اسلامية في عضويته تنازل عن بنود ميثاقه التي تقر بانسجام دول الاتحاد الاوروبي حضارياً وثقافيا واجتماعيا «دينيا»؟ أليس هذا ما يفهم من كلام ديستان ودوفيلبان وكذلك طلب بابا الفاتيكان قبل فترة قصيرة في رسالة غير معلنة لقادة الاتحاد ضرورة الحفاظ على الطابع المسيحي لهوية الاتحاد الاوروبي. انها اسئلة في غاية الاهمية والحساسية والدقة للجانبين، ويمكن القول انه على الاجابة عنهم تتوقف مسألة قبول العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد او عدمه. في الواقع اذا كانت النخبة التركية التي ترى ان مسألة تحقيق المعايير والقيم الاوروبية هي مسألة وقت وهذا ما اشار اليه الرئيس التركي احمد نجدت سيزار وكذلك اردوغان فإنه خارج مسألة حقيقة الاختلاف الحضاري بين تركيا والاتحاد الاوروبي لا يمكن تجاهل الاشكالية الجغرافية التي تتمثل في وقوع تركيا خارج القارة الاوروبية باستثناء قسم بسيط منها لا يتجاوز الثلاثة بالمئة من مساحتها، وهذا ما اشار اليه وزير الخارجية الفرنسي عندما تحدث عن الحدود الاوروبية. بديهية تركيا بلد اسلامي، يشكل المسلمون قرابة 97% من مجموع السكان البالغ عددهم قرابة 70 مليون نسمة، هذه البديهية الاسلامية في هوية تركيا ومجتمعها تطرح علينا السؤال التالي: كيف يمكن حل اشكالية وجود مجتمعين مختلفين في ظل اتحاد واحد له هويته الحضارية ومؤسساته العليا وميثاقه؟ اذا تذكرنا ان البرلمان الاوروبي هو اعلى سلطة تشريعية في دول الاتحاد وينتخب على اساس مباشر ومن منطلق التحالفات الحزبية عبر هذه الدول، فكيف يمكن تصور انضمام تركيا لعضوية الاتحاد ثم اشتراك حكومة او حتى حزب له توجه اسلامي (العدالة والتنمية مثلا) في الانتخابات البرلمانية الاوروبية؟ وكيف سيكون موقف الاحزاب الديمقراطية المسيحية من وجود حزب اسلامي في البرلمان الاوروبي وهي (الاحزاب المسيحية) ترفض في الاساس عضوية تركيا في الاتحاد؟ اذا كان من الصعب وجود حزبين مختلفين حضاريا في برلمان واحد لابد من السؤال عن الية حل هذا الاشكال الحضاري السياسي، فمثلما هو مستحيل بالنسبة للاتراك اثبات انتماء بلدهم الى اوروبا جغرافيا، كذلك فإن المسألة صعبة واشكالية بالنسبة لاوروبا نفسها في قبول العضوية الكاملة لدولة لا تنتمي الى اتحادهم حضاريا وجغرافيا، وحل هذا الاشكال يشكل تحديا للفكر الاوروبي الذي يصنف نفسه بالليبرالي، والتحدي هنا هل بامكان هذا الفكر ان يقر بالهوية الاسلامية حضاريا وثقافيا في اتحاده، خاصة وان قبول عضوية تركيا يعني ان حدود الاتحاد سيصبح مع دول مثل ايران والعراق وسوريا؟ خارج معضلة هوية الانتماء الجغرافي فإن مسألة الاسلام السياسي في بلاد تاريخية مهمة مثل تركيا مازال بنظر العديد من الاوروبيين هي وريثة الدولة العثمانية التي اذاقت شعوبهم المرارة في حروب فتح القسطنطينية (اسطنبول) والبلقان، مسألة شائكة في كيفية التعامل مع هذا الاسلام خاصة في ظل وجود الملايين من المسلمين في دول الاتحاد الاوروبي الذين سيكونون عاملا مهما في التحالفات الحزبية والانتخابات البرلمانية، وبالتالي في معادلة السلطة وقيم الدولة والمجتمع وهويتهما، ما ينبغي قوله هنا هو ان تركيا ليست المجر او بولونيا او حتى روسيا. اضافة الى عقبتي الجغرافيا والهوية الحضارية، فإن ثمة قضيتين مهمتين يجب ان تؤخذان في النظر عند مسألة قبول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، الاولى: تتعلق بالاقتصاد التركي الذي يعاني من ازمة اقتصادية تتم معالجتها بوصفات صندوق النقد الدولي في وقت بلغت فيه ديون البلاد الخارجية والداخلية 220 مليار دولار وتسجل الليرة التركية المزيد من التراجع فيما تعاني الصناعات التركية من ضعف المنافسة امام الصناعات الاوروبية. والثانية: تتعلق بعدد سكان البلاد الذي بلغ قرابة 70 مليون نسمة، وكذلك معدلات النمو السكاني المرتفع مقابل نسبة منخفضة جدا في دول الاتحاد وعدد سكان قليل مقارنة بتركيا، ومثل هذه المؤشرات (الاقتصادية والسكانية) لها علاقة مباشرة بدخل الفرد ومستوى معين من المعيشة والتنمية والخدمات والصحة والتعليم والرفاهية، وبالتالي فإن انضمام تركيا الى عضوية الاتحاد يعني الاخلال بالتوازن القائم في دول الاتحاد، وهذه تشكل معضلة اخرى تضاف الى معضلات الهوية الحضارية والانتماء الجغرافي. اذا كانت العقبات والاشكاليات بهذا الحجم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بالمصالح والاهداف الاوروبية من وراء الموافقة (ان تمت)، على نحو هل تتعلق بمصالح وأهداف وسياسات اوروبية محددة من تركيا نظرا لموقعها المهم بالنسبة لجغرافية اوروبا والعالم؟ ام بمواصفات ومعايير ديمقراطية تتعلق بالقيم الاوروبية في مجال الدولة والمجتمع والفرد؟ مع ان الجانب الاخير يشكل مضمون الخطاب السياسي الاوروبي في مسألة التعامل مع السعي التركي للعضوية حيث لا يقول هذا الخطاب (نعم مطلق) للعضوية كما انه لا يقول (لا) بشكل مطلق، فإن الاهداف الاوروبية والتي تتراوح بين جغرافية تركيا التي تصل اوروبا بنفط قزوين، وحل المشكلات القائمة بين تركيا واليونان حول قبرص وبحر ايجه والمياه الاقليمية، وصولا الى استيعاب هذه الجغرافية بما تحتوي من تيارات اسلامية وقومية باتت مطلوبة في ظل سياسة العولمة الامنية بعد الحادي عشر من سبتمبر هذه الاهداف وغيرها تشكل الدوافع الاساسية وراء السياسة الاوروبية حيال تركيا وعضويتها. ومع ان المعضلات التركية والاهداف الاوروبية تؤكدان ان مسيرة انضمام تركيا الى العضوية الكاملة للاتحاد الاوروبي ستكون صعبة وطويلة الا ان كل ذلك لا يقلل من اهمية جملة من العوامل التي قد تدفع بالاتحاد الى تحديد موعد لبدء مفاوضات العضوية مع تركيا حتى لو ادى ذلك الى خلافات اوروبية، فإضافة الى الاهداف الاوروبية المذكورة فإن مثل التوجه يحظى بدعم اميركي مباشر اذ ترى الولايات المتحدة في وجود تركيا داخل الاتحاد الاوروبي وجود جناح ثان لها الى جانب بريطانيا داخل اوروبا، ومثل هذا الامر له اهمية بالغة في الاستراتيجية الاميركية حيال اوروبا والشرق الاوسط وآسيا الوسطى وايران. في الواقع، اذا كان مسار انضمام تركيا الى العضوية سيكون بمثابة مسار للممارسة الديمقراطية والمزيد من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه بالنسبة للاتحاد الاوروبي سيكون اختبارا حضاريا لاحترام الهوية الاسلامية بعيدا عن سياسة التذويب، ودون هذا فإن سياسة الصفقات والاولويات الامنية والسياسية قد لا تكون مدخلا ناجحا لاتحاد بين دولة تختلف حضاريا عن هوية الاتحاد الاوروبي الحضارية خاصة في ظل رفض اليمين المسيحي الصاعد في الغرب اي صيغة مع الاخر خارج هويته الحضارية، هذا ان لم يكن هذا اليمين يضع الاسلام في موقع الارهاب والتخلف. ـ كاتب وصحفي سوري