الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 راندة غازي فتاة مصرية لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، تعيش مع اسرتها في ايطاليا، عايشت ما يحدث في فلسطين، وكتبت رواية لمن هم في مثل سنها بالايطالية سمتها «الحلم بفلسطين»، وتتلخص الرواية في تصوير الكاتبة لصورة من صور الحياة اليومية التي يعيشها الشعب الفلسطيني حيث تصف بعض الشبان الفلسطينيين المحاصرين خلال الانتفاضة حيث لم يجد أحدهم سوى ان يفجر نفسه في الجنود الاسرائيليين فيقتل خمسة منهم. الرواية لاقت رواجاً كبيراً بين المراهقين في ايطاليا بعد نشرها في مارس الماضي، وما ان نزلت الرواية الى اسواق فرنسا قبل ايام حتى تحركت قوى اللوبي الصهيوني لتحاول منع «الحلم بفلسطين» من التداول في الاسواق الفرنسية، وطالب مركز «سيمون فيزنتال» احد ابرز المجموعات المدافعة عن اليهود، بسحب الرواية من الاسواق لانها على حد زعمهم «تمجد العمليات الانتحارية» وقال المركز في اسباب مطالبته بسحب الرواية» انها تتحدث بطريقة مؤثرة جداً عن شاب فلسطيني يتحول الى قنبلة حية من اجل محاربة اليهود المتعطشين الى الدماء الذين يغتالون الاطفال والشيوخ وينتهكون حرمة المساجد، ويغتصبون النساء العربيات. ولم يقف الامر عند حد مركز «سيمون فيزنتال» وانما شاركه عدد من المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية وغيرها من الجماعات الصهيونية الناشطة بشكل بارز في فرنسا. ورغم ان دار النشر الفرنسية ردت على الحملة الصهيونية، الا ان هذه الحملة تعكس طبيعة التخطيط الصهيوني الذي اصبح يستهدف كل عمل ابداعي يمكن ان يعكس حقيقة ما يقوم به اليهود والصهاينة من عمليات انتهاك وقتل وتشريد للشعب الفلسطيني، والأمر لم يعد يقف عند حد الواقع وانما يتعداه الى التاريخ، فخلال السنوات الاخيرة تعرض كثير من المؤرخين الاوروبيين الذين تناولوا المحرقة بأي شكل من اشكال التشكيك الى ملاحقات قضائية، ادت الى سجن بعضهم واعلان افلاس آخرين، ومازال الكثيرون يلاحقون حتى وهم على مشارف التسعين مثل روجيه جارودي. كما ان ابراهيم نافع رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية يلاحق قضائياً بعد مقال نشر في الصحيفة حول فطيرة عيد الفصح اليهودي، اما الكاتب الفرنسي ايمانويل راتينيه فقد تم احراق مطبعته ودار النشر الخاصة به بعدما نشر كتابه «ارهابيو اسرائيل» والذي رصد فيه جرائم الحركة الصهيونية ضد اميركا وفرنسا خلال المئة سنة الاخيرة بين عامي 1895 و1995، وقد حصلت حياة الحويك عطية على حق نشر الكتاب بالعربية وصدر بالفعل في العام الماضي، لكن مؤلفه مازال يلاحق من اللوبي الصهيوني في فرنسا، اما مسلسل فارس بلا جواد فرغم انه تعرض بشكل عرضي الى بروتوكولات حكماء صهيون الا ان الامر وصل الى حد تهديد مصر بمنع المساعدات الأميركية عنها اذا اصرت على عرضه، وتم بالفعل حذف كثير من المشاهد التي تتعرض للصهاينة والتي شاهدها الناس على قنوات ولم يشاهدوها على اخرى. وما حدث سوف يدفع كثيراً من المنتجين والفنانين بعد ذلك الى التروي قبيل الاقدام على انتاج مثل هذه الاعمال، كما اصبحت دور النشر والصحف تراجع كل ماتنشره خوفاً من الوقوع في براثن اللوبي الصهيوني الذي اصبح يلاحق كل من يتلفظ بكلمة او فكرة يدعى انها معاداة للسامية او تشويه لصورة اليهود، حتى لو كانت وصفاً للجرائم التي يرتكبها الاسرائيليون ضد الشعب الفلسطيني والتي يراها الناس ليل نهار على شاشات التلفزة. ان الدفاع عن حرية التعبير بكل اشكاله اصبح مطلباً ملحاً الآن لاسيما وان الامر وصل إلى حد ملاحقة «الحلم بفلسطين»، فحتى احلامنا اصبحت محاصرة واصبحت تهما تلاحقنا وتلاحق كل من يمكن ان يتعرض لها حتى لو كانت فتاة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها. ان الرضوخ لابتزاز اللوبي الصهيوني اصبح بحاجة إلى وقفة من كل المبدعين لأن الابداع الانساني اصبح حقاً في خطر، طالما ان الامر وصل إلى حد ملاحقة احلام الفتيان والفتيات الصغار. ـ كاتب وإعلامي مصري