الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 في التقرير السنوي الرابع لوزارة الخارجية الاميركية حول أوضاع الحريات الدينية في العالم، نص على أن سياسة الحرية الدينية الاميركية وسيلة لخوض الحرب ضد الإرهاب، وأن أحداث 11 سبتمبر 2001 قد أوضحت أن هناك من يستطيع أن يستغل الدين لأغراض سيئة . وفي تعليق على التقرير، قال السفير الاميركي المتجول لشؤون الحريات الدينية «جون هانفورد» ان الحرية الدينية هي أحد أهم حقوق الإنسان الأساسية، وهي حرية أيدتها الولايات المتحدة الاميركية دائماً، واحترمها الشعب الاميركي». وقد أنشئ مكتب السفير المتجول للحرية الدينية الدولية منذ أربعة أعوام من أجل تعزيز الحرية الدينية في جميع أنحاء العالم، كما تقول الخارجية الاميركية. ويشغل السفير منصب المستشار الرئيسي للرئيس ولوزير الخارجية في القضايا المتعلقة بالحرية الدينية الدولية.، مسئولية هذا السفير وأعضاء مكتبه هي مراقبة ما يسمى «الحالة العالمية للاضطهاد والتمييز الديني» ، مع وضع الخطط اللازمة لمواجهة ذلك بما يدعم المصالح الاميركية الحيوية الأخرى. وقد تناول التقرير أوضاع ما يسمى بالأقليات الدينية في مختلف دول العالم، مسجلاً ملاحظات عديدة منها مثلاً الاحتجاج على معاملة الحكومة الإيرانية للاقليات الدينية مثل البهائية واليهودية والمسيحية والصوفية، وكذلك موضوع حرية التعبد لغير المسلمين في السعودية، وعن فشل باكستان في حماية الأقليات الدينية.. إلخ. وفيما يتعلق بإسرائيل اكتفى التقرير بأن يشير الى أن المشاكل بين اليهود وغير اليهود هي نتاج الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهذه الإشارة تخفي حقيقة أن هذه الدولة تقوم أساساً على التمييز الديني ضد غير اليهود. نمو عكسي! ولا شك أن هذا المكتب الخاص قد أصيب بصدمة مدوية بعد فوز العديد من الأحزاب والتيارات الإسلامية في أربع جولات انتخابية هامة، في المغرب والبحرين وباكستان وتركيا، وهو ما يعد نجاحاً بارزاً لحركات الإسلام السياسي في ظل الحملة الاميركية ضد الإرهاب، ويؤكد في نفس الوقت نمومشاعر العداء ضد الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي. وكانت اولى الانتصارات الساحقة للتيار الإسلامي قد تحققت في المغرب خلال شهر سبتمبر الماضي، حيث فاز الإسلاميون ب 42 مقعدا، ليصبحوا ثالث أكبر حزب في البرلمان المغربي البالغ 325 مقعدا. وفي باكستان تمكن تحالف الأحزاب الدينية من الحصول على 59 مقعدا من مجموع 342 مقعدا. وفي البحرين، حصل الإسلاميون على 19 مقعدا من أصل 40 مقعدا، في أول انتخابات تشريعية تشهدها البحرين منذ حوالي 30 عاما. وفي تركيا، حقق حزب العدالة والتنمية ذو الأصول الإسلامية نسبة مكنته من تشكيل الحكومة منفردا. وحصل على 363 مقعدا من مجموع 550 مقعدا. وقد تولى عبد الله جول نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، رئاسة الوزراء بدلاً من رجب طيب أردوغان الذي كان يفترض تشكيله للحكومة لولا ملاحقة القوانين التي سنتها والمؤسسة العلمانية ضده وكان الرئيس التركي قد تحدث بشكل واضح في ذكرى وفاة مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية، حين قال ان الإسلام السياسي لا وجود له في النظام التركي. ومن المعروف أن الجيش التركي تدخل لإزاحة حزب الرفاه الذي يعتبر الأب الطبيعي لهذا الحزب، وقد صرح الجنرال حلمي أوظوك قائد الجيش التركي أن الجيش سوف يحمي البلاد ضد التطرف، وقد سبق لهذا الجيش القيام بأربعة انقلابات منذ عام 1960، فضلاً عن الضغط على حزب الرفاه لترك السلطة عام 1997. وقد تبدو نتائج الانتخابات السابقة وكأنها رد على السياسة العلنية التي اتبعتها اميركا بشكل واضح منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث أدى استهدافها للمسلمين والإسلام بشكل عام الى مردود عكسي تمثل في مزيد من التفاف الرأي العام في الدول العربية والإسلامية حول تيارات الإسلام السياسي، ولعل ذلك أيضاً يؤكد خطأ هذه السياسة وعواقبها الوخيمة المتمثلة في تحقيق نبؤة صمويل هنتغنتون حول «صراع الحضارات» والمشكلة أن كافة محاولات الإدارة الاميركية الحالية لإثبات العكس تبدو غير جدية أو على الأقل غير صادقة، فالمسلمون فقط هم المتهمون حالياً بالإرهاب، وهم هدف الحملة الاميركية الواسعة في مختلف أرجاء الدول الإسلامية، وتلك الدول لا تتمتع بالأسلوب الاميركي في الحياة، ويجب تقليم أظافرها أو الانقضاض عليها مثلما يتم الإعداد الآن مثلاً للعراق أو إيران في المستقبل، ليس هذا فحسب، بل ووصل الأمر إلى شبكة الأعصاب الخاصة بالهوية الدينية والثقافية لتلك الدول، حيث بدأت اميركا بالفعل حملة منظمة ضد هذه الشبكة بدءاً بالمدارس الدينية والمناهج التعليمية ووصولاً الى أنظمة الحكم بغض النظر عن مدى تحالف تلك الأنظمة مع اميركا. سياسة عمياء وفي كلمة ألقاها وكيل الخارجية الاميركية للشئون السياسية السفير مارك جوسمان يوم 29 أكتوبر الماضي أمام مجلس العلاقات الخارجية في مدينة كنساس تحت عنوان السياسة الخارجية لاميركا في القرن الحادي والعشرين، ذكر السفير أن هناك ستة موضوعات رئيسية تحدد الأفق الدولي اليوم وهي : الحرب العالمية ضد الإرهاب، والعولمة، والأسواق الحرة، والديمقراطية، والشخصية الثقافية والوطنية، والقوة الاميركية، مؤكداً أنه يجب العمل لمعالجة هذه الموضوعات بشكل متزامن، وذكر أنه بدون ديمقراطية فلا توجد أسواق حرة، وبدون أسواق حرة لا توجد سيادة للقانون. وفيما يتعلق بالحرب العالمية ضد الإرهاب، قال ان هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 قد غير اميركا، وأن هدف «القاعدة» كان التأثير ومحاولة تغيير أسلوبنا في الحياة، وأكد أن هذه الحرب تختلف عن أي حرب أخرى لأنها موجهة ضد شبكة من الإرهابيين موجودة في أكثر من ستين دولة، ولأننا يجب أن نوقف إنتاج وتوزيع أو استخدام أسلحة الدمار الشامل التي تعد أدوات كامنة لإرهاب غير مسبوق، وأن وجودها في أيدي الإرهابيين أو في دول خطيرة مثل العراق يهدد الأمن الاميركي بشكل جوهري. ولشن هذه الحرب فان اميركا قد أقامت تحالفاً غير مسبوق حيث قامت أكثر من 90 دولة بالقبض على ما يزيد علي 2700 إرهابي، كما شاركت 17 دولة في عملية السلام الدائم في أفغانستان بقوات تصل الى ستة آلاف جندي، وأن 161 دولة قد قامت بتجميد أرصدة الإرهاب التي تصل إلى 116 مليون دولار منها 34 مليون في اميركا. وفيما يتعلق بالعولمة أشار الى الثورة التي أحدثتها الأقمار الصناعية والهواتف النقالة والبريد الإلكتروني، ولكن كان هناك ثمن لهذه الثورة، حيث يمكن استخدامها بشكل عكسي. وفيما يتعلق بالأسواق الحرة أشار إلي أنه في عام 1947 انضمت 40 دولة فقط الى الجات، وفي عام 1995 أنضمت 112 دولة الى منظمة التجارة العالمية، واليوم وصل العدد الى 144 دولة من أصل 192 دولة. وفيما يتعلق بالديمقراطية أشار إلي تقرير الكونغرس حول الحريات للعام 2001 - 2002، والذي تضمن وجود أكثر من 120 دولة تتمتع بنظام ديمقراطي من أصل 192 دولة، وأن تلك الدول تمتلك 26.8 تريليونات دولار من متوسط الدخل على مستوى العالم أي حوالي 86%، بينما تمتلك الدول المتحررة نسبياً حوالي 2.3 تريليونات دولار اي حوالي 7%، وهي نفس النسبة الباقية للدول غير الديمقراطية، وفي هذا المجال أشار الى التقرير العربي الأول حول التنمية البشرية الذي صدر في يوليو عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية بالتعاون مع الصندوق العربي للتنمية الإجتماعية والإقتصادية والذي تضمن أن موجة الديمقراطية التي غيرت شكل الحكم في أغلب دول العالم لم تقترب بعد من الدول العربية، وأن العجز في الحريات يعرقل التنمية البشرية، ونقل عن الرئيس بوش ما قاله في «ويست بوينت» في يونيو حين قال «ان احتياجات الحرية مطلوبة في أفريقيا واميركا اللاتينية وكل العالم الإسلامي، وأن شعوب العالم الإسلامي تريد وتستحق نفس الحريات والفرص المتاحة لأي شعب في كل دولة». وفيما يتعلق بالشخصية الثقافية والوطنية، ذكر أن أجندة العالم اليوم تم وضع إطار لها من خلال التفاعل بين الثقافات والحضارات، بينما كانت أثناء الحرب الباردة محددة بالصراع بين الإتحاد السوفييتي واميركا، وبالتالي فان الشعوب التي فرقتها أيديولوجية الحرب الباردة رغم اتحاد ثقافتها يمكنها أن تتحد مرة اخرى، مثلما حدث في ألمانيا، ومثلما يمكن أن يحدث في الكوريتين، بينما حدث العكس مع المجتمعات التي وحدتها أيديولوجية الحرب الباردة رغم أنها منقسمة حضارياً، مثل الإتحاد السوفييتي ويوغسلافيا اللذين انقسما إلى أجزاء. وفيما يتعلق بقوة اميركا ذكر أنها الإتجاه الغالب في عالم اليوم، فهي القائدة في العولمة والأسواق الحرة والديمقراطية، وهذه القوة ذات تأثير في كل المجالات الإستراتيجية والإقتصادية والسياسية والثقافية وفي كل أركان الأرض، وقال انه تعلم درساً خلال عمله كدبلوماسي أميركي، وهو أن قوة اميركا هي مفتاح نجاحها الدبلوماسي، وأنه لا يتذكر كم مرة أستفاد فيها أثناء المفاوضات بالقوة الاميركية. وأستدرك بأن ذلك لم يكن فقط بسبب القوة، حيث أنها تربط بينها وبين مبادئها، مؤكداً بأن اميركا سوف تتصرف وحدها إذا لم يكن هناك بد من ذلك. الاستقطاب الجديد وتلخيص كل ما تقدم يعني حقيقة واحدة لخصتها الفقرة الأخيرة، وهي أن اميركا سوف تستخدم قوتها، بكل مشتملات هذه القوة عسكرياً وإقتصادياً وثقافياً، كي ترغم العالم علي نهج أسلوبها في الحياة، أما باقي التفاصيل فهي مجرد شكليات تجميلية، وفي القلب من ذلك سوف يحتل موضوع الدين المرتبة الاولى، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، وهو ما يشير الى إستقطاب جديد ما بين الحضارات يستمد قوته هذه المرة من رصيد جبار وخطير في نفس الوقت وهو رصيد العقيدة. وظني أن ولاة الأمر في اميركا يلعبون بالنار حول براميل معبأة بالبارود ومحاطة بحقول النفط، ولم تكن نتائج الإنتخابات «الديمقراطية» في بعض الدول الإسلامية هي فقط مؤشراً على هذه الحقيقة، وإنما التعبئة الهائلة ما بين ملايين المسلمين ضد تلك السياسة الخرقاء. وفي الختام، ربما يكون من المناسب إستدعاء بعض دروس التاريخ للعبرة. لقد ظن أدولف هتلر أن الشعب الألماني هو الأفضل والأقوى والأعدل، تماماً كما يرى وكيل الخارجية الاميركية وغيره من رجالات الحكم في اميركا، وتوهم أن الجنس الآري هو الأنقى، مثلما يتوهم عدد كبير من الاميركيين في نظامهم، ولقد تكبدت البشرية ملايين الضحايا بسبب هذه الظنون والأوهام، وقد آن لاميركا والعالم أن ينتبهوا لدروس التاريخ. ـ كاتب مصري