الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 هل سمعت عن «الأفيال البعيدة»، وهل قرأت يوماً في احد موضوعات ادارة الوقت عبارة تحذيرية تنصحك بأن تأخذ الحيطة ، وتتجنب اللقاء بتلك الافيال التي تبدو بعيدة لان السير في درب الافيال يؤدي في النهاية إلى الاجتماع بها؟! ان هذا الوصف ليس الا عبارة بلاغية تحاول من خلال الصورة الخيالية ان تضعك وجها لوجه امام حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس وهي ان قبول اعمال اضافية ليس لها حيز من الوقت في برنامجك الحافل بالبرامج والانشطة الثرية والمتنوعة سيوقعك في الحرج الشديد، وستتحرك عقارب الزمن لتضعك امام مسئولياتك الجديدة التي قطعت وعدا بالوفاء بها لظنك انك قد تستطيع تولي المزيد من المهمات الصعبة، ولكن الوقت كالسيف يمضي مسرعاً ليضعك وجها لوجه امام تلك الافيال البعيدة (المهمات المؤجلة) فتقع في اضطراب شديد وربما سبب لك سوء تقديرك لامكانياتك ووقتك الفعلي قدراً من الاحراج او الاحباط وكلاهما امران كان ينبغي لك ان تتجنب الانزلاق اليهما. وموضوع ادارة الوقت هو احد الموضوعات الكبرى التي حظيت في الغرب بدراسات مكثفة من اجل اكتشاف افضل القواعد والطرق التي تدعم طموح الافراد والمؤسسات في مضاعفة الانجازات والنجاحات في اقصر وقت ممكن. ولا يخفى ان المنافسة الشديدة بين المؤسسات الصناعية والاستثمارية والخدمية كانت هي المحرك الفعلي لذلك التوجه الحاد نحو النجاح في تحقيق مزيد من السيطرة على الوقت تجنبا للهدر في الموارد وحسما للمنافسة الحادة للوصول إلى مضاعفة الارباح بطرق جديدة ووسائل اكثر فعالية وكفاءة. وفي ظل هذه الروح المتحفزة لبذل المزيد من العمل لم يعد هناك خيار لأي مدير يريد ان يدعم موقفه امام رؤسائه، الا ان يكون هو النموذج الاكثر تمثلا لقيم استثمار الوقت التي هي في جوهرها ليست سوى استثمار للفرص او خلق لها!! ولم يكن صعبا على اي مؤسسة رائدة ان تضخ الاموال من اجل برامج التدريب التي تواكب الجديد في هذا الميدان، والقادرة على تزويد الموظفين بالخبرات المناسبة التي تدفع إلى مضاعفة مساحة الانجازات كماً وكيفاً في ظل الترحيب اللامحدود والذي يبديه الممولون الرئيسيون لمختلف المؤسسات العملاقة التي ترفع شعار الجودة هدفا نهائيا تسعى للوصول اليه وامتلاكه لتحفظ توازنها من جهة، وتملك مفاتيح السبق والصدارة من جهة اخرى. وقد صاحب هذا النشاط الداخلي والانفتاح الكبير للمؤسسات العملاقة والمتوسطة للسيطرة على الوقت كاهم مورد متاح يمكن توظيفه في تحقيق الاهداف الكبرى نشاط ثقافي واسع شمل اسواق اوروبا واميركا، واغرق مكتباتها بسيل من الكتب السمينة والمتوسطة والخفيفة التي تقدم نظريات غاية في الدقة والجدية حول طرق ادارة الوقت، حتى غدا هذا الموضوع واحداً من اكثر الموضوعات تداولاً ونشاطاً بين اروقة المعاهد والمؤسسات والمنتديات العلمية، ليشكل بزخمه وظله الهائل تظاهرة عالمية جمعت الجادين والنابهين والاوفياء لاهداف مؤسساتهم تحت سقف واحد، وتحت هدف مشترك هو النجاح والصدارة والتميز!! انها هالة من النجاح اللامحدود، صنعتها الارادة والعزيمة، والفهم العميق بأن الوقت هو اكبر الموارد المعطلة، وهو اهم الثروات التي لا يكلف جلبها ـ من حيث كونها مصدراً متاحاً للجميع ـ دولاراً ولا جنيهاً استرلينياً واحداً. ومما يزعج المتابع لذلك التناغم والانسجام بين الارادة وبين الاداء العام الذي اصبح معادلة شائعة ومعروفة في الدول الصناعية المتقدمة، ان الجدية هناك يقابلها الهزل عندنا، وان النظام الصارم هناك يقابله الفوضى والتسيب هنا. والا فما معنى ساعات الثرثرة الطويلة فوق المكاتب وبين اروقة وقاعات مباني المؤسسات، رغم انه من المفترض أن تختفي الثرثرة لصالح التركيز في العمل!! لاشك ان مثل هذه الاجواء الجالبة للكسل، والطاردة لعناصر التشويق والرغبة في اتمام الاعمال على الصورة المطلوبة يخفض الحماس لدى الموظفين الجدد، ويطفيء الفاعلية، والاصرار على اثبات الذات. ويغدو اليوم كالأمس الذاهب ان هو الا اجترار للايام، وزحف بطيء نحو اهداف غير واضحة ولا محددة لدى جموع من الموظفين. وهنا يحق لنا التساؤل والانكار: أهذا هو حال امة تريد ان تشرق عليها الشمس من جديد؟