الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 الذين يديرون دفة القرار السياسي في الادارة الأميركية ليسوا بالسذج ولا الأغبياء أو الجهلة، انهم يعرفون تماماً ماذا يفعلون، وخاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وهذا ينسحب بطبيعة الحال على المبادرة الأخيرة التي أطلقتها هذه الادارة على لسان وزير خارجيتها (كولن باول) فيما يعرف بالمبادرة الاميركية للديمقراطية والاصلاح في الشرق الاوسط، ذلك ان طرح مبادرة بهذا المعنى وفي هذا الوقت تحديداً لا يأتي عشوائياً، كما انه لا يأتي مفاجئاً على الاطلاق خاصة لرجال السياسة ومتتبعي الشأن الشرق أوسطي. هل تريد الولايات المتحدة (دمقرطة) العالم العربي فعلاً؟ هل يهم الولايات المتحدة أن نتمتع نحن شعوب العالم العربي بأنظمة حكم ديمقراطية على الطريقة الغربية والأميركية؟ وهل تجهل الولايات المتحدة ان الديمقراطية حالة مجتمع تنبع من داخله ومن ميكانيزمات موجودة في تفاصيله ومؤسساته ولا يمكن ان تفرض أو ترسم من الخارج أياً كان هذا الخارج، قوياً ومتحكماً وقطباً وحيداً يحرك العالم كما يشاء كالولايات المتحدة. الاجابة عن الاسئلة معروفة، نحن نسأل لنؤكد الاجابة البديهية لا لنبحث عن حقائق واضحة ومعروفة، وحينما نقرأ بأن استقبال بعض النظم العربية للمبادرة كان ضعيفاً وأحياناً متبايناً فإن هذا الاستقبال ليس مفاجئاً على الاطلاق، ذلك ان هذه النظم تعلم يقينا بأن الولايات المتحدة تستهدف الانظمة وليس الشعوب، بمعنى انها تريد تغيير الكثير من الانظمة السياسية في عملية (اصلاح) كما تسميها، وهي بهذا لا تريد ان تقوم بذلك على طريقة الانقلابات العسكرية العنيفة فالتفت على الأمر واستخدمت الشعوب على طريقة قميص عثمان لا اكثر! الولايات المتحدة لا يهمها أمر الشعوب العربية، وما من دولة او شعب في العالم حتى لو تصدر لحكم الكرة الارضية وادارة شئون العالم كما تفعل الولايات المتحدة اليوم مستعد او يعنيه امر اصلاح الشعوب الاخرى، الا بقدر ما يخدم هذا الاصلاح وهذا التغيير مصالحها ومصالح شعبها، اميركا اطلقت برنامج الاصلاح على انه كلمة حق يراد بها باطل، لكن السؤال الأهم ما هو موقف الشعوب العربية من هذه المبادرة، اذا سلمنا وعرفنا موقف الانظمة؟ الديمقراطية نظام حياة، وحالة مجتمع، وتراكم في النشأة والتربية والزمن، واميركا تعرف ذلك واوروبا تعي ذلك لانهم ببساطة عاشوا وعايشوا هذه التجربة، ويعلمون بأننا شعوب وانظمة لم ترب ولم تنشأ لهذا النوع من الديمقراطيات، لكنهم يرتبون اوراقهم للأيام المقبلة، وما نحن في نظرهم سوى ورقة سيقذفونها للريح يوما، والمصيبة اننا نعلم، لكن المصيبة الاعظم اننا لا نحرك ساكنا!!