الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 تقول الأسطورة اليونانية ان «بيجماليون» كان ملكاً على قبرص، وكان في الوقت نفسه نحاتاً يصنع التماثيل. ضاق الملك الفنان بالنساء الشريرات في عصره وشعر بالاشمئزاز منهن لكثرة ما رأى من مكائدهن فقام بنحت تمثال لفتاة جميلة رسمها في خياله وأطلق عليها «جالاتيا». ويوماً بعد يوم كان حب الملك الفنان للتمثال الذي صنعه يزداد، فقد كانت «جالاتيا» بحق رائعة الحسن. وتمضي الأسطورة قائلة ان «أفروديت» آلهة الحب والجمال عند اليونانيين قد استجابت لدعوات «بيجماليون» وابتهالاته أن تهبه امرأة في جمال «جالاتيا» فحولت التمثال الى امرأة حية تزوجها وأنجب منها ولداً أسماه «بافوس». هذه الاسطورة التي استمدت عناصرها من الخيال ومن توق الانسان الى الجمال والكمال عن طريق الهروب من الواقع متخذاً الفن وسيلة، جذبت كثيراً من الكتّاب والشعراء والفنانين الذين وجدوا في فكرتها قاعدة أسسوا عليها فأنتجوا لنا العديد من الأعمال الفنية والأدبية في مجالات الإبداع المختلفة قصة ومسرحاً وشعراً ونحتاً ورسماً. وكان أول من بادر الى إعادة روايتها الشاعر الروماني القديم «أوفيد» في مجموعته القصصية «التحول». ثم جاء الكاتب الانجليزي الشهير «جورج برنارد شو» في أوائل القرن العشرين فصاغها في مسرحيته الشهيرة «بيجماليون» التي تعتبر أشهر الصياغات الحديثة لهذه القصة حيث صورت مسرحيته كيف استطاع الرجل الانجليزي ان يجعل من الفتاة الجاهلة امرأة ممتازة بعد ان علمها طرق التصرف والكلام وأصول المعاملة. ولعل الكوميديا الموسيقية الشهيرة «سيدتي الجميلة» تكون مأخوذة عن هذه المسرحية. ووجدت أسطورة «بيجماليون» لها صدى كبيراً بين الكتاب والشعراء والفنانين العرب، فألف توفيق الحكيم المسرحية التي تعرف بالاسم ذاته، لكنه وضع فيها رأيه ورؤيته عندما جعل بطل مسرحيته يحطم التمثال لأنه لم يستطع ان يبث فيه الحياة رغم كل الصفات التي وضعها فيه. وإلى النتيجة ذاتها ولكن بطريقة مختلفة وصل الشاعر علي محمود طه في قصيدته القائمة على الأسطورة نفسها «التمثال» إذ يلخص لنا الفكرة في المقدمة النثرية التي يصدر بها القصيدة حيث يقول: «الانسان صانع الأمل، ينحت تمثاله من فنه وروحه، ولايزال يبدع في تصويره وصقله متخيلاً فيه الحياة ومرحها وجمالها، ولكن الزمن يمضي ولايزال تمثاله طيناً جامداً وحجراً أصم، حتى تخمد وقدة الشباب في دم الصانع وتشعره السنون بالعجز والضعف فيفزع الى مقر أحلامه هاتفاً بتمثاله، ولكن التمثال لا يتحرك والحلم الجميل لا يتحقق، وهكذا تجتاح الليالي ذلك المكان وتعصف بالتمثال فيهوي حطاماً، وهنا يصرخ اليأس الانساني ويمضي القدر في عمله». أما الشاعر عمر أبو ريشة فقد وظّف الأسطورة بشكل مختلف عندما حوّر الفكرة تماماً، فبدلاً من ان يتحول التمثال الى صورة حية ـ كما تتصور الأسطورة ـ رأى أن تتحول الصورة الحية الى تمثال، وذلك في قصيدته «امرأة وتمثال» التي نسب فيها الخلود للتمثال وتعامل مع الانسان بواقعية فألحق به الفناء أو ألحقه بالفناء. ولذلك رأى انه إذا أردنا للجمال الخلود فالأجدر بنا ان نبتهل كي يتحول الانسان الى تمثال وليس العكس. وقد ربط أبو ريشة في قصيدته بين الفتاة التي كانت جميلة وتمثال «فينوس» آلهة الحب والجمال عند الرومان التي تقابلها «أفروديت» عند اليونانيين و«عشتروت» عند الفينيقيين. يقول عمر أبو ريشة في روايته لقصة القصيدة: «عرفها المثل الأعلى للجمال، والتقى بها بعد عشر سنوات، فإذا ذاك الجمال أثر بعد عين فتألم، ولما عاد الى بيته كانت صورة فينوس أول ما وقع طرفه عليه». وهكذا مزج الشاعر بين الأسطورة اليونانية والفكرة التي أراد طرحها من خلال قصيدته مختلفاً مع الاسطورة التي حولت التمثال الى كائن حي يخضع لقوانين الحياة وأولها عامل الزمن، حيث يمر بدورة الحياة الطبيعية وتحولاتها لينتهي به الأمر الى الشيخوخة فالموت، وتكون الأسطورة بذلك قد أنزلته من برجه العالي ونقلته من الخلود الى الفناء، أما أبو ريشة فقد تمنى لو تحولت الفتاة الجميلة التي رآها قبل عشر سنوات الى تمثال كتمثال «فينوس» ليضمن لها تجاوز دورة الزمن تلك والاحتفاظ بجمالها وترك عالم الفناء إلى عالم الخلود. وكما احتفى المسرح والشعر بأسطورة «بيجماليون» واستوحى الكتّاب والشعراء الفكرة فاقتبسوا منها وأضافوا اليها، فعل كتّاب القصة والرواية الشيء نفسه لكون فن الرواية كما يصفه نجيب محفوظ «الفن الذي يوفق ما بين شغف الانسان بالحقائق وحنينه الدائم الى الخيال». ولعلنا حين نقرأ روايتي الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» و«فوضى الحواس» نستحضر تلقائياً أسطورة «بيجماليون» حيث نجد الكاتبة في روايتها الثانية «فوضى الحواس» تُنهض من بين السطور بطل روايتها الأولى «خالد» لتعيش معه قصة حب نحتار فيها إلى الدرجة التي لا نستطيع معها الفصل بين الواقع والخيال بالمقدار نفسه الذي نشعر انها هي الأخرى لا تستطيع فعل ذلك. تقول أحلام مستغانمي في روايتها الثانية «فوضى الحواس» على لسان بطلتها «حياة» لبطلها الخارج من النص: ـ أنت رجل يغري بطرح الاسئلة معكوسة.. فهل لديك شجاعة كافية للرد على أسئلتي؟ أجاب بتحد مازح: هذا عائد الى ذكائك. رفعت التحدي وطرحت سؤالي الأول: أي اسم كنت تريد أن تحمل؟ وجاء صوته مدهشاً: الاسم الذي اخترته أنت لي في كتابك.. انه يناسبني! كان يضحك وهو يجيبني. ولم أصدق ما سمعت. جوابه كان يعني انه يدري من أكون. ولكن من تراه يكون هو ليتحدث إليّ وكأنه خارج تواً من قصتي؟ أجبته كمن يمزح: ولكن أنا لم أختر لك اسماً بعد. رد بالسخرية نفسها: فليكن.. يناسبني تماماً أن أبقى بلا اسم! وعندما تكتشف الكاتبة أو «حياة» التي تقوم بدور الراوية ان البطل يحمل كل ملامح بطل قصتها الأولى بما فيها شلل يده اليسرى وتشوهاتها، وانه يحمل اسمه أيضاً تقول مذعورة: «تنتابني قشعريرة، وحالة من الذعر، ليس مصدرها ما أرى، وإنما خوفي من أن أكون قد بدأت أجن، ولم أعد أعرف الفاصل بين الكتابة والحياة، أو كأنني حلمت يوماً بأن ما يحدث لي سيحدث، وها هو ذا يحدث فعلاً، وإذا بي أمام رجل خلقته وشوهته بنفسي. كنت أعي انه يختبرني، ويتابع وقع المفاجأة عليّ بحساسية مفرطة فتداركت ارتباكي وقلت بنبرة صادقة: ـ لا يعنيني ما تعتقده اللحظة، ولكن ثق انني أحبّك كما أنت، وإلا لما كنت خلقت رجلاً يشبهك تماماً لأعيش معه سنوات في كتابي. رد ساخراً: لقد مارست دائماً بجدارة صلاحيات الحب في التدمير! قلت: بل مارست صلاحيات الكاتب في التخيل ليس أكثر. ردّ: «كفّي عن التخيل.. كل الذي أجهدت نفسك في خلقه قد سبقتك الحياة اليه. الانجاز الوحيد بالنسبة إلى كاتب هو ما يتركه في كتابه من بياض. كل صفحة بيضاء في كتاب هي مساحة مسروقة من الحياة لأنها تصلح بداية لقصة أخرى أو كتاب آخر، ومن هذا البياض جئتك.. وليس مما تتوقعينه أدباً». ترى.. كم من التماثيل نصنع في حياتنا وكم نحطم؟ وكم من التماثيل صنعنا بأيدينا وعقولنا وأرواحنا فحطمتنا عندما اكتمل صنعها؟ ترى.. كم نترك في كتبنا من بياض وكم نسرق من مساحات الحياة؟!