الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 جاءت لحظة الحقيقة فبينما اعطى قادة الاتحاد الاوروبي الضوء الاخضر لعشر دول مسيحية في وسط وشرق اوروبا لاستكمال اجراءات الالتحاق بعضوية الاتحاد فانهم دخلوا في مرحلة جديدة من المماطلة بشأن انضمام تركيا المسلمة، وهكذا يؤكد الاتحاد الاوروبي عملياً ما يستحي من قوله علنا.. وهو ان الاتحاد ناد مسيحي لا مكان لشعب مسلم فيه حتى ولو كانت بلاده جزءاً من الجغرافيا الاوروبية. في اجتماع قمة في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن يوم الجمعة الماضي كان القرار المرتقب الذي اتخذه قادة الاتحاد الاوروبي بشأن تركيا هو تحديد نهاية ديسمبر 2004، لا كموعد لقبول تركيا وانما كموعد «للتفاوض» حول ما اذا كانت هذه الدولة المسلمة جديرة، لا بدخول الاتحاد الاوروبي وانما «بالترشيح» للدخول. وفي الحقيقة فإن هناك فيما يبدو اتفاقا ضمنيا غير معلن بين الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي بمنع تركيا نهائيا من الانضمام، ومؤخراً جهر زعيمان اوروبيان بما لا يقال: رئيس فرنسا الاسبق فاليري جيسكار ديستان ووزير الخارجية الدانماركي الحالي بيرستيغ مولر. ديستان قال صراحة انه بالنظر الى هوية تركيا وتاريخها وتراثها فإن انضمامها الى الاتحاد الاوروبي «سيكون نهاية الاتحاد الاوروبي». اما الوزير الدانماركي فقد قال ان عملية انضمام تركيا قد تستغرق ما بين 15 و20 عاماً، وقد نسمع بعد مرور 20 عاماً من الآن ان على تركيا الانتظار 20 عاماً اخرى. واهمية هذين القولين تنبع من كون ان ديستان يرأس هيئة تابعة للاتحاد الاوروبي مكلفة بوضع مسودة دستور مستديم للاتحاد الاوروبي وان الوزير الدانماركي يمثل الدولة التي ترأس الاتحاد حالياً. الذريعة العلنية الرسمية التي يتبناها قادة الاتحاد لمواصلة المماطلة تستند الى ما يطلق عليه «معايير كوبنهاغن» وهي عبارة عن الشروط التي على اساسها ينظر في ترشيح اي دولة للدخول في عضوية الاتحاد، وتنص وثيقة الشروط على ان يكون لدى الدولة المرشحة «مؤسسات ثابتة تضمن الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الانسان واحترام الاقليات وحمايتها». وعندما يجتمع قادة الاتحاد عند نهاية عام 2004 فإنهم سوف يفحصون من خلال «معايير كوبنهاغن» الى اي مدى انجزت تركيا من اصلاحات جدية في هذا الصدد. لكن من وجهة النظر الاوروبية المسيحية فإن الشعب التركي يبقى مسلماً حتى لو استوفى «معايير كوبنهاغن» بالكامل. ومن المفارقات ان التنظيمات الاسلامية التركية اشد حماسة لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، بينما يتعامل جنرالات الجيش المسيطرين على آلة الحكم بكل فتور رغم انهم يعتبرون حماة النظام العلماني السائد في تركيا لما يقارب 80 عاماً، فالاسلاميون الاتراك يدركون انه بمجرد دخول تركيا عضوية الاتحاد الاوروبي فإن القيم الديمقراطية الاوروبية هي التي سوف تسود على المؤسسات التركية.. ومن ناحية اخرى يدرك الجنرالات انه لنفس السبب سوف يفقدون سلطاتهم الاستبدادية في ظل عهد جديد من سيادة القانون بالمفهوم الغربي. وفتور الجنرالات الاتراك نحو اندماج تركيا في اوروبا يتعارض مع حماسة الولايات المتحدة. فواشنطن ترى في دخول تركيا الاتحاد الاوروبي حصاناً طروادياً اميركيا، فالولايات المتحدة تأمل في ان انضمام تركيا سوف يعزز من موقف عدد من الدول الاوروبية المؤيدة لسياستها. وماذا عن العالم الاسلامي؟ ان من مصلحة الامة الاسلامية ان تلتحق تركيا بعضوية الاتحاد الاوروبية. والحديث هنا عن المستقبل البعيد. ان تركيا، ذات التاريخ الاسلامي الثري لن تبقى خاضعة للنظام العلماني الاتاتوركي الى الابد. ولذا فإن انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي سوف يكون رصيداً اسلامياً للمستقبل بما يتيح من حضور اسلامي داخل مؤسسات اوروبا المسيحية. فالمسلمون يجب ان يتحمسوا لدخول تركيا الاتحاد الاوروبي لنفس السبب الذي تخشاه اوروبا.