الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 بداية يمكننا القول ان انتخابات حزب العمل وما أحدثته من تحولات، لم تقتصر على واقع حزب العمل وحده، بل طالت واقع الحياة الحزبية الإسرائيلية بمجملها، لدرجة وصل معها بعض المتابعين للقول ان هذه التحولات الجديدة داخل العمل بخاصة وإسرائيل بشكل عام، تعتبر مؤشراً حقيقياً للعودة مجدداً لرؤى سياسية كانت قد اختفت منذ أكثر من سنتين من قاموس التفاوض السياسي الفلسطيني - الإسرائيلي. أكثر من ذلك ذهب هذا البعض وغيره إلى اعتبار نجاح متسناع في قيادة حزب العمل للاعتقاد ان مرحلة جديدة مقبلة ستشهدها ساحة التفاوض السياسي على كلا الجبهتين الفلسطينية والإسرائيلية بلا استثناء، على اعتبار ان هذا النجاح جاء تلبية لرؤية أوروبية أميركية موحدة، انطلاقاً من الاعتقاد القائل ان الكفة عادت مرة أخرى للقيادة التاريخية لحزب العمل، خاصة بعد هزيمة اليهود الشرقيين مثل بن اليعازر أمام اليهود الغربيين وفي مقدمتهم متسناع (الألماني). بمعنى أدق ان الكثير من المراقبين، بدأ يرى بهذا الانقلاب مقدمة لاتضاح الاحتياجات الغربية المنشودة في المنطقة، والتي تتلخص بضرورة وضع حد للصراع الدائر على الأرض الفلسطينية باعتباره يشكل أحد أهم الأخطار على مستقبل المصالح الغربية في منطقتنا العربية بخاصة والشرق الأوسط بشكل عام. هذه الرسالة وصلت على ما يبدو للفلسطينيين على حقيقتها، بصرف النظر عمن يقبعون في السلطة أو في المعارضة، لدرجة أننا بدأنا نشهد حركة محمومة ومتسارعة من قبل هذه الأطراف بهدف خلق استراتيجية سياسية موحدة، ولو بشكل مؤقت قد لا تتجاوز الشهرين، لمساعدة هذا التوجه الإسرائيلي الجديد بالتغلب على خصومه التقليديين والمتمثل بتكتل الليكود وقيادته اليمينية برئاسة أرييل شارون في الانتخابات الإسرائيلية العامة. بمعزل عن الشعارات والخطابات السياسية التي يطرحها بعض الفلسطينيين، والتي تصب في غالبيتها بمقولة ان كلا الحزبين وجهان لعملة واحدة. أي ان الفلسطينيين وبالتحديد حركتي حماس والجهاد الإسلامي من جهة والسلطة من جهة أخرى، أصبحوا يدركون أنه من الضروري تبني استراتيجية مواجهة من نوع مختلف هذه المرة، بحيث تتصف هذه الاستراتيجية بحالة التهدئة لجهة العمليات الاستشهادية داخل القدس وما يسمى بداخل الخط الأخضر، بغية مواجهة سياسة شارون وخططه واستراتيجياته التي تسعى إلى التوتير ما أمكنه ذلك، باعتبار ان عامل التوتير يصب في خدمة أغراضه الانتخابية المقبلة التي لا يفصلنا عنها سوى شهرين ونيف. وقد لا نغالي القول إذا ما قلنا ان لقاءات القاهرة بين حركتي فتح وحماس قد بدأت تأتي أكلها، حسب بعض المصادر المقربة لكلا الطرفين وأن ثمة تفاهماً بدأ يطفو على السطح بين كلا الفصيلين، رغم التكتيم الإعلامي الكبير بهدف إنجاح رسم استراتيجية فلسطينية موحدة من شأنها نقل الصراع أو التنافس الفلسطيني - الفلسطيني إلى تنافس إسرائيلي - إسرائيلي، وذلك في الانتخابات العامة الإسرائيلية المزمع عقدها بعد شهرين من الآن كما أسلفنا. ومن الواضح ان هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاث ركائز، تتلخص على الشكل التالي: أولاً: الضغط ما أمكن من أجل الإطاحة بحكومة شارون، خاصة بعد ان بدأت تتضح معالم الموقف الأوروبي والأميركي إزاء حل القضية، انطلاقاً من القناعة القائلة ان انتخابات الليكود ونجاح شارون ليست الدالة على قوته. وان الإطاحة بحكومة شارون هي البحث عن أدوات التهدئة التي من شأنها ان تشجع وتحشد الرأي العام الإسرائيلي حول الرؤية التي يحملها رئيس حزب العمل وحلفائه داخل وخارج الحزب. ثانياً: محاولة خلق شرخ ما بين موقف حكومة شارون والموقف الأوروبي، الأمر الذي يضع صانع السياسة الأميركي في حالة من الحرج قد لا يحسد عليها، دون إسقاط احتمالات الحاجة الأميركية الماسة لتقديم خطوة بالاتجاه الإيجابي في هذه المرحلة بالذات الذي يسعى من خلالها الجانب الأميركي للتقدم باتجاه العراق. ثالثا: محاولة خلق رؤية موحدة عربية فلسطينية، خاصة أن الجانب الفلسطيني بكل تقسيماته بدأ يدرك ان عملية الصراع باتجاه أحادى دخلت في النفق المظلم، وأنه دون توافق الاستراتيجيات عربياً لا يمكن الاستفادة مما قدمته الانتفاضة. بالإضافة لذلك أنه دون البعد العربي واستثماره سياسياً على المستويين الإقليمي والدولي، ستزداد العزلة الفلسطينية. ولعل هذا الفهم وهذه القناعة هي التي دفعت حماس على الأقل للتوجه أكثر من مرة إلى القاهرة للقاء وفد فتح أو السلطة والأمر سيان، بل وقبلت بالمبادرة المصرية باعتبارها مبادرة أخوية وإيجابية من شأنها رأب الصدع الحاصل فلسطينياً. من هذا المنطلق سنشهد، على ما يبدو، حزمة من الجولات الماراثونية الفلسطينية ـ الفلسطينية، خاصة بعد ان علمنا من بعض الأوساط الفلسطينية المضطلعة، بأن ثمة رسائل ووساطات عربية جارية على قدم وساق من أجل إقناع حركة الجهاد الإسلامي للحاق بركب مفاوضات القاهرة بين حركتي حماس وفتح. لكن الملاحظ هذه المرة، ان ثمة توافقاً عربياً قد يكون الأول من نوعه منذ سنوات طويلة خلت، باتجاه ترميم البيت الفلسطيني حول استراتيجية سياسية واضحة ومتبلورة ترتكز إلى وضوح الرؤية وقراءة الواقع بموضوعية أكثر من ذي قبل، بعيداً عن الشعارات النارية والخلافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. أضف إلى ذلك ان الواقع الحالي بات من وجهة النظر الفلسطينية والعربية يميل نحو التدهور، بل ونحو المجهول، الذي ينذر بترانسفير انتقائي هذه المرة تحت عنوان الاقامات ومثيري الشغب والإرهاب وما إلى غير ذلك من هذه التسميات، حتى بدأت الكثير من الأوساط العربية والفلسطينية تتنبه من نوايا شارون الهادفة إلى تهجير وإبعاد أكثر من أربعة عشر ألف شاب فلسطيني خارج أراضي الضفة الغربية، الأمر الذي سيخلق واقعاً جديداً داخل فلسطين لم يكن بالحسبان الفلسطيني والعربي. لهذا السبب وغيره خلقت مقولة توحيد الاستراتيجية السياسية الفلسطينية، ولهذا السبب بالذات بدأت الكثير من القوى الفلسطينية تنادي بالحلول الوسط بين أبناء الصف الواحد، باعتبار ان الوقت أصبح بالنسبة للفلسطينيين خارج مصالحهم على ما يبدو. لكن السؤال، إذا ما نجحت الوساطات العربية بعامة والمصرية بخاصة برسم سياسة فلسطينية موحدة، ونجح بعد ذلك شارون بالانتخابات العامة المقبلة في إسرائيل، ما الذي سيكون عليه الأمر فلسطينياً وعربياً؟!! وما هي الخطوات اللاحقة التي ستترتب على الفلسطينيين والعرب، لمواجهة مخططات شارون الجهنمية؟ ـ كاتب فلسطيني