الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 قبل أسابيع.. كتبت هنا أدعو الجامعة العربية الى تشكيل فريق مواز لفريق التفتيش الدولي الذي يبحث في مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. واقترحت أن يتم تشكيل هذا الفريق الموازي من شخصيات عربية وافريقية وأوروبية لها احترامها الدولي ومواقفها الموضوعية مع مجموعة مختارة من العلماء المختصين، وقلت إن هذا الفريق يستطيع أن يقدم للعالم الصورة الكاملة لبرنامج التسلح العراقي ويمنع أي انحراف لفريق الأمم المتحدة عن مهمته، ويساعد الجميع في الوصول الى الحقيقة، ويجعل الرأي العام العربي والعالمي على بينة من الموقف.. بعيدا عن حملات الدعاية والتحريض التي تمارسها واشنطن ضد العراق وضد الأمم المتحدة نفسها! الآن..اكتشف ان الفكرة تم تنفيذها بالفعل ولكن على الجانب الآخر.. فالولايات المتحدة التي تواصل ضغوطها من كل الجوانب لاعداد المسرح لعدوان تبدو مصممة على القيام به ضد العراق قامت كما يبدو بتكوين هذا الفريق الموازي ليعمل لصالحها ولكي تخترق به مهمة فريق الأمم المتحدة للتفتيش في العراق.والأخبار التي تسربت عن تكوين هذا الفريق الموازي لا تبدو غريبة، فواشنطن قبلت عودة مفتشي الأمم المتحدة على مضض وهي تريد منهم أن يكرروا مأساة فريق التفتيش الدولي الذي توقفت مهمته قبل اربع سنوات والذي اعترف مسئولون فيه بأنهم قامون بالتجسس على العراق لمصلحة اميركا واسرائيل، وعندما أعلن بليكس رئيس فريق التفتيش والبرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تصميمهما على أن تتم المهمة الموكولة لهما بموضوعية وبأقصى قدر من المهنية بعيدا عن الانحياز. بدأت على الفور حملة واشنطن وضغوطها على فرق التفتيش الدولية والاعلان عن عدم قدرتها على كشف الحقيقة التي تملكها ـ كما تقول ـ واشنطن ولكنها ترفض اعلان خوفها على مصادرها السرية!! وكل ذلك كان متوقعا من واشنطن، أما الجديد فهو ما كشفته أخيرا مصادر أوروبية، حيث اعلنت ان الولايات المتحدة تريد فريق تفتيش دولياً خاصاً بها موازياً لفريق التفتيش الدولي التابع للأمم المتحدة لكشف اسرار برامج التسليح العراقية.وأشارت هذه المصادر الى ان فريق التفتيش الخاص يضم وحدات خاصة من الولايات المتحدة نفسها ومن بريطانيا وتركيا والأردن واسرائيل.وانه يعمل في اطار قيادة القوات الخاصة انطلاقا من قاعدة العديد القطرية والقيادة الفرعية في قاعدة المرفق الأردنية.وأشارت المصادر الى ان الفريق الخاص يملك طائرات هليوكبتر مقاتلة وطائرات استطلاع وتجسس وأقمار صناعية، وأنه توصل الى تحديد 95% من مواقع الصواريخ والأسلحة غير التقليدية العراقية.. بما في ذلك المواقع المتحركة. وعن تفاصيل عمل هذا الفريق، قالت المصادر الأوروبية انه تم تقسيم الاراضي العراقية إلى 16 مربعا تتولى كل وحدة مسح مربع منها لمدة ثلاثة شهور، ثم تسلمه لوحدة اخرى، وتتم بعد ذلك مقارنة النتائج التي تتوصل اليها مختلف الوحدات.وأكدت هذه المصادر أن نتائج عمل هذا الفريق الموازي ستكون عاملا حاسما في تقرير مصير الحرب في حالة اندلاعها. و. ما أبعد الفارق بين الفريق الموازي الذي اقترحناه ليمنع الحرب ويكشف الحقائق التي تمنع اميركا من العدوان، وبين هذا الفريق الموازي الذي تريد اميركا من خلاله ان تقدم ما يبرر عدوانها الذي أعلنت اخيرا انها قد تستخدم فيه ترسانتها النووية. طبعا من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يؤرق واشنطن أنها لا تتحقق في العراق ولا يؤرقها أن يقتل تحت اعلامها آلاف الفلسطينيين، ولا يؤرقها أيضا أن يذهب نصف الشعب العراقي ضحايا لعدوان نووي. فالديمقراطية ـ وليس البترول ـ تستحق كل هذه التضحيات!! ـ 2 ـ ساعات فقط فصلت بين الفضيحتين اللتين ترسمان بدقة معالم العصر الاميركي وكيف ستتعامل الامبراطورية الاميركية مع العالم، وماذا ينتظرنا في ظل هيمنتها المطلقة! في الفضيحة الأولى قامت واشنطن بالسطو على تقرير الأسلحة الذي قدمته العراق للأمم المتحدة، ولكن الاميركان وضعوا أيديهم على التقرير بالقوة، ولم يتمكن حتى رئيس مجلس الأمن لهذه الدورة «من كولومبيا» من الاطلاع على التقرير.ولم يعلم الأمين العام للأمم المتحدة بواقعة استيلاء اميركا على التقرير ونقله من مقر المنظمة الدولية الى العاصمة الاميركية واشنطن الا بعد تسع ساعات، ولم يملك الرجل الا ابداء الاستياء! وكان التبرير الاميركي في البداية مضحكا حيث قال المتحدث باسم الخارجية الاميركية ان سبب الاستيلاء على التقرير هو ان الولايات المتحدة تمتلك قدرات عالية للنسخ بسرعة وأمان وكان رد الدبلوماسيين الغربيين في الأمم المتحدة ان الاميركيين ليسوا الوحيدين الذين يعرفون طريقة استخدام آلات التصوير! كما ان السرية يمكن ضمانها خاصة بعد ان تقرر أن يقتصر تسليم نسخ التقرير الكاملة على الدول الخمس دائمي العضوية في مجلس الامن بحجة ان الاسرار التي قد يحتويها التقرير عن طريقة صنع اسلحة الدمار الشامل لا ينبغي ان يطلع عليها الا الدول الكبرى حتى لا تتسرب الى جهات غير مأمونة، ولذلك فسيتم تنقية التقرير من هذه الاسرار قبل ان تتسلمه باقي الدول أعضاء مجلس الأمن.والسؤال البديهي هنا هو: اذا كان هذا هو السبب الحقيقي. ألم تكن الأمم المتحدة قادرة على القيام بمهمة تنقية التقرير من هذه الأسرار بنفسها أو بواسطة المفتشين الدوليين أنفسهم.. أم أن المطلوب غير ذلك؟ وهنا يشير المراقبون الى مخاوف اميركية من ان يفضح التقرير أدوار بعض الدول والشركات الاميركية أساسا في دعم برنامج الاسلحة غير التقليدية في العراق عندما كان مطلوبا من واشنطن اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية، وقبل ان تنقلب المواقف ويصبح تدمير العراق مطلبا اميركيا لا يحتمل التأجيل! المهم ان فضيحة السطو الاميركي على التقرير العراقي مرت وسط استياء الأمين العام للأمم المتحدة واحتجاجات بعض أعضاء مجلس الأمن، ودفاع بريطانيا كالعادة ـ عن السلوك الاميركي المستفز. وكانت الواقعة ـ بعيدا عن الاستياء والاحتجاجات ـ اعلانا اميركيا فجا بان الامم المتحدة لم تعد أكثر من ادارة ملحقة بوزارة الخارجية الاميركية، وعلى العالم ـ حتى اشعار آخر ـ ان يتعامل مع هذا الأمر الواقع مع خالص العزاء! وبينما كان العالم يحاول استيعاب حادث القرصنة الاميركية في الأمم المتحدة، كانت الفضيحة الأخرى تتفجر في بحر العرب، حيث كانت الوحدات البحرية الاسبانية العاملة تحت القيادة الاميركية تعترض السفينة الكورية وتكتشف شحنة صواريخ سكود من كوريا الشمالية، اعلنت حكومة اليمن انها تخصها.ورغم انه تم احتواء الأزمة بعد اتصالات بين كبار المسئولين في صنعاء وواشنطن، الا أن حادث القرصنة الاسبانية ـ الاميركية يعلن عن قواعد جديدة للعبة التي تتم الآن تحت شعار الحرب ضد الارهاب! لقد تم الافراج عن شحنة الصواريخ ليس فقط لانها قانونية وليس فقط لان الرئيس اليمني أكد انها لن تذهب الى طرف آخر وليس فقط لأن اليمن أكدت انها جزء من صفقة قديمة عقدتها مع كوريا الشمالية وانها الشحنة الأخيرة في هذه الصفقة. ولكن الأهم من ذلك في أسباب الافراج عن الصفقة أنها كما أعلنت واشنطن ـ ذاهبة الى بلد حليف للولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب. والسؤال هنا: وماذا اذا كانت شحنة الصواريخ ذاهبة الى دولة لا تعتبرها واشنطن حليفة لها وحتى ولو كانت الشحنة قانونية؟ ماذا اذا كانت الشحنة في طريقها الى سوريا مثلا والدعايات الصهيونية «الاميركية والاسرائيلية» تثير ضجيجا منذ سنوات حول امتلاكها مثل هذه الصواريخ التي تعتبرها اسرائيل خطرا عليها وتطالب بفرض الحظر على امتلاك الدول العربية لها، وتمارس واشنطن ضغوطا هائلة على كوريا الشمالية لمنعها من تزويد الدول العربية بها؟ إن الضجيج الصهيوني الاميركي الاسرائيلي لم يقتصر على سوريا في هذا المجال، بل تعداه الى مصر وليبيا وغيرهما من الدول العربية. فماذا سيكون الموقف بعد اغتصاب دولة أو أكثر لحق التفتيش والبحث عن شحنات الاسلحة وتقرير مدى قانونيتها وارتباط ذلك بما تقرره اميركا بحق الدولة التي تذهب اليها شحنات السلاح وهل هي في خانة الحلفاء. وإلى أي حد؟ واذا كانت الولايات المتحدة ستغتصب ـ بحكم القوة ـ هذا الحق، فهل يحق لدول غيرها أن تفعل نفس الشيء.. فتعترض وتفتش وتمنع أو تسمح وفقا لمعاييرها الخاصة؟! الأزمة بين اليمن واميركا انتهت على خير، ولكنها تعلن عن قواعد جديدة للعلاقات الدولية في العصر الاميركي، وعلى العرب ـ قبل غيرهم ـ ان يقرأوا جيدا الوثيقة التي قدمتها الادارة الاميركية للكونجرس، بالمصادفة! ـ في نفس يوم احتجاز السفينة الكورية والتي تؤكد فيها على حقها في استخدام السلاح النووي ضد العراق، وتشير الى ايران وسوريا وليبيا مع كوريا الشمالية كدول تعتزم اميركا العمل على حرمانها من حيازة أسلحة الدمار الشامل مع التأكيد على حق اميركا في توجيه ضربات وقائية لأية شحنات يمكن استخدامها في انتاج هذه الأسلحة! ـ 3 ـ طوال العام لم تنقطع المناورات العسكرية للقوات الاميركية على الأرض العربية أو على تخومها.ومن تركيا، الى الأردن، الى اسرائيل، الى الكويت وقطر تواصلت التدريبات الاميركية وتواصلت تأكيدات هذه الدول بأن الأمر لا علاقة له من قريب أو بعيد بالحرب الاميركية المحتملة ضد العراق!! اخر التأكيدات كانت الاكثر اثارة. ففي حفل توقيع الاتفاق العسكري بين الشقيقة قطر والولايات المتحدة الاميركية لتقنين الوجود العسكري الاميركي في القواعد القطرية، حرص وزير الخارجية القطري على التأكيد على ان الاتفاق هو جزء من العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين وبأنه ليس موجها ضد العراق أو أي دولة اخرى.وهو ماأكده ايضا وزير الدفاع الاميركي رامسفيلد بعد توقيع الاتفاق الذي كان يحضره الجنرال تومي فرانكس قائد القيادة الاميركية المركزية التي نقلت مقرها الى قاعدة العديد القطرية، والذي يشرف على مناورات عسكرية ضخمة يحضرها آلاف العسكريين الاميركيين. وبالطبع فإن الأمر لا يتعلق اطلاقا بالحرب التي تعد اميركا لشنها ضد العراق!! وبالطبع أيضا فإن حشد أكثر من ستين ألف عسكري اميركي في المنطقة مع قوافل حاملات الطائرات وترسانة الاسلحة الاميركية لا علاقة له من قريب أو بعيد بالحرب ضد العراق، وربما يكون الهدف الأول زيمبابوي أو بوركينا فاسو أو مجرد النزهة بعيدا عن ثلوج الشمال وفي اجوائنا الدافئة! المثير في الأمر ان الاسابيع الماضية شهدت نقاشا حول اقتراح من الشقيقة قطر بعقد قمة عربية استثنائية لبحث الظروف الخطيرة التي تمر بها الأمة العربية، مع اشاعات تم نفيها رسميا عن تفكير قطري في الانسحاب من الجامعة العربية. ولو كانت الأمة بخير، لانعقدت القمة الاستثنائية وكان بندها الأساسي هو وقف المذبحة التي تجري لشعب فلسطين، واحباط المجزرة التي يجري تدبيرها لشعبنا العربي في العراق.ولو كانت الأمة بخير لانعقدت القمة الاستثنائية لتفتح ملف القواعد العسكرية الأجنبية على الأرض العربية، ولتجدد الالتزام باتفاقية الدفاع العربي المشترك وتعتبر العدوان على أي بلد عربي عدوانا على كل الدول العربية. ولوكانت الأمة بخير، لما استقبلت عواصم عربية جنرالا اميركيا تعلن واشنطن انه قد يكون الحاكم القادم للعراق بعد احتلاله وتركه يستكمل استعداداته على أرضها للمهمة الحاسمة. لو كانت الأمة بخير لما كان كل شئ عربي مستباحا كما هو الآن. الأرض، والدم، والثروة، والبشر! ولو كانت الأمة بخير لأجبرت الجميع على الوقوف في وجه الكارثة.لكن الأمة ليست كذلك، والعاصفة الاميركية عاتية، وثمن الضعف ندفعه غاليا، ومع ذلك تبقى الأمة واعية ـ حتى وهي في أقصى حالات ضعفها ـ بالفرق بين المشروع والممنوع. وليت الجميع يدركون ذلك!! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية