الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 يسألني ذلك القاريء اليائس من امته: لماذا تكتبين؟ فأجيبه: لهدف أراه واضحا لكل قاريء، اكتب من اجل حدوث التغيير الايجابي الذي نتمناه جميعاً لانفسنا ولمجتمعاتنا ولأمتنا بأكملها. اكتب لأن ثمة اموراً من حولنا تستحق ان نتحدث عنها بصراحة ووضوح. اكتب لان ثمة ثقة عظيمة لدى كل كاتب يؤمن برسالة الكلمة في امكانية ان تحرك كلماته في نفس قارئه الغيرة والرغبة في تصحيح المسار. اكتب عسى صدى بعض الحروف ان يبعث الهمة في نفس كل قاريء غيور فيستيقظ ويوقظ من حوله، ويجتهد في اختيار دور فعال في أي مشروع حيوي يساند قضايانا ويساهم في احياء الامة، و بعثها من جديد. ولقد وصلتني منه اكثر من عشر رسائل بريدية متوالية يؤكد ان علينا ان نيأس، ويشدد على ان اليأس هو الخيار الوحيد المسموح به في مثل هذه الاجواء المشبعة بالرغبة في الهروب والتخلي عن اداء الواجب!! ثم يدلل على صدق رأيه بالرجوع إلى ما يجري في الحياة قائلاً: اترين سلوك الناس يتوافق مع شروط مرحلة النهوض وتصحيح المسار؟ اترين حالنا ينبيء بأن ثمة املاً في الانتقال من الضعف إلى القوة، ومن التفرق الى التجمع والوحدة؟ كيف يتحقق ذلك والغالبية العظمى فاقدة للشعور بخطورة المرحلة التي تمر بها، وبخطورة الاكتفاء بموقف الانتظار لما تسفر عنه الاقدار، لان الاقدار لا تجامل احداً، ولا تحابي شعبا دون آخر!! انه يقول باختصار شديد لكل من يتعلق بالحرف ويؤمن بدور الكلمة في التغيير: ماذا تجدي بعض الافكار والاقوال امام ما تقذفه الصحافة من اخبار تقطر دماً، وتنزف اسى على واقع لا يبشر بخير.. ثم يتوجه القاريء الغاضب من الواقع الصعب الى جموع القراء والقارئات بكلمة مركزة يقول فيها: اذا استلمتم صحيفة «البيان»، وتجولتم بين عناوينها التي تنقل اليكم اخبار الفظائع التي تحل بأخوتنا في فلسطين، واذا قرأتم عن المؤامرات الدولية التي تدبر في السر والعلن ضد شعوبنا المسالمة، واذا نظرتم في الاعمدة السياسية التي اختارت قلب الصحيفة مكاناً لها لتقدم من خلالها تحليلاتها الواقعية التي تنذر بالخطر القادم، فلا تصدقوا بعد تلك الرحلة البصرية المحبطة اي رأي يدعو إلى العمل للخروج من النفق المظلم الذي افقدنا معرفة ما يجري حولنا في العالم. لاتصدقوا ذلك، فلا بارقة امل في الطريق الينا. انتهت رسالة الكاتب الثائر التي عرضت عليكم اهم ماجاء فيها من افكار حزينة نتيجة للاوضاع المزرية التي تمر بها امتنا اليوم، وهو محق في انزعاجه واستيائه الشديد، الا ان ثمة مسلمات ينبغي ألا يضرب بها عرض الحائط، وتمثل خطوط مقاومة فعلية يمكن اتخاذها كدليل على امكانية ان نصنع شيئاً للغد المحذور!! منها ان لدينا مخزونا من القدرة والشجاعة على القيام بالفعل الصحيح وبالطريقة الصحيحة. ويتجدد ذلك المخزون يومياً في ساحة الاقصى ويجدد معه الامل بإمكانية الاقتراب من النصر. جميعنا يستمد قوته من ذلك الوجه الطاهر الذي ينظر إلى الاقصى عاقداً العزام على مواصلة السير راكعاً لله وساجداً بين يديه، داعيا اياه بالنصر القريب. وكم بيننا من الغيورين والأحرار ممن يؤمنون اننا اصحاب حقوق مهدورة، واننا نملك مشروعاً حضارياً عملاقا له رصيده من التجربة الحية النافذة في اعماق التاريخ، وله مخزون هائل من الفكر العالي الجودة، ولنا ثقافة فاعلة قادرة على ان تستجيب لتحديات العصر، وتقاوم الآفات والنقائص، وتنتقي من بين العروض والافكار ما يضمن لنا سلامة السير دون الوقوع في اخطاء الاخرين!! وما ينقصنا هو ان نفهم واقعنا بصورة اعمق من فهمنا الحالي، وان نعي ما يراد لنا، ونعرف كيف نتحصن ونحصن ابناءنا. ذلك لان اول خطوة في سبيل الحرية، هي ان تصبح سيد نفسك، وان تستجيب لمقومات الريادة والسبق فتتمثلها في سلوكك وافعالك، وان تحسن اختياراتك في الحياة وتجعلها متطابقة مع القيم والمباديء. انك ان فعلت ذلك تكون قد قطعت نصف الشوط الى النصر المنتظر. انك ان اديت ادوارك في الحياة بإخلاص وصدق تكون قد قطعت الطريق على الفشل والاحباط واصبحت قادراً على ان تثري الحياة بألوان العطاء وصنوف العمل. ومن اجل ان نقترب من ذلك الافق اكثر، فنحن نكتب وسنظل طالما هناك فرص للحوار والحديث المفعم بالامنيات الكبار.