الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 منذ انطلاقها تثير «قناة الجزيرة» جدلاً لم يحسم بعد حول منطلق وجدوى رسالتها الإعلامية. الذي لا خلاف عليه أن هذه الرسالة أحدثت بالفعل صدى لا يمكن إغفاله أو التشكيك فيه. من الثابت أن المحطة فرضت وجودها وعززته على صعيد السبق الخبري بغض النظر عما يثار عن مصادرها أحياناً قليلة. من المؤكد أن البرامج الحوارية لم ترق إلى مستوى الخدمة الخبرية من حيث المضمون والتأثير. الجدل المثار حول هذه البرامج لا يعني بالضرورة نجاحها. آفة هذه البرامج تتمثل في مقدميها والمشاركين فيها على السواء. صحيح أن هذه البرامج كسرت الخطوط الحمراء المضروبة أمام الإعلام العربي ودخلت إلى المناطق المحرمة رسمياً على التناول والتشريح. أكثر من ذلك لا تستطيع القناة ان تتباهى. على نقيض ذلك يمكن القول أنها كرست ثقافة «الزعيق» والحناجر المفخخة والأصوات العالية والألسن الأكثر قدرة على سلق الآخرين بالشتائم. ليس مجافاة للمنطق القول إن هذا الضرب من الإعلام أمسى منفراً مما يتطلب مراجعة فورية حتى لا تفقد «الجزيرة» ما بنت. المشاهد لم يعد يكتفي فقط باختراق الخطوط الحمراء وولوج المحرمات وتداول التابوهات. ذلك انجاز يحسب للجزيرة، لكنه انجاز مؤقت إذ تجاوزته المرحلة بعدما راكمت الجزيرة نفسها فيه الكثير وجارتها فيه محطات أخر. دون عناء مع الذاكرة يمكن رصد قائمة مطولة من القضايا الشائكة التي طرحتها الجزيرة على مائدة الحوار، لكن عصي على الذاكرة ذكر قضية واحدة بلغ الحوار فيها الاشباع وانتهى إلى خلاصة تعين المشاهد على اتخاذ موقف محدد ازاء مسألة بعينها. الأزمة ليست حبيسة الإطار الزمني للبرنامج وإنما رهينة بالعقلية التي تدير البرامج. الواقع يفيد أن هذه العقلية لا تريد للحوارات نهايات عقلانية ذات خلاصات محددة. ربما يتفادى الاعلامي في منبر يريد أن يحتفظ لنفسه بالاستقلالية والحرية. ما من أحد يطالب القناة بالانحياز غير أنها مطالبة بالموضوعية. من الصعب القول أن العقليات التي تدير برامج الجزيرة تتمسك بالحياد حالياً. النجاح لا يتمثل في ترك القضية مفتوحة على الفضاء بعد ساعتين من الجدل والحوار لا يزال في مبتدئه المنطقي. التركيز على مفهوم محاور متعددة للبرنامج يمثل عصب الاخفاق اذ يهتم المقدم بإثارة الجدل حول هذه المحاور ولا يعنى بإشباع أي منها ومن ثم تتخذ الحلقات طابع القفز من جانب إلى آخر في القضية ذاتها. ربما كان ذلك مثيراً في مرحلة ما من تجربة القناة لكنه لم يعد كذلك. الاعداد يشكل البنية التحتية للبرامج وادارة الحوار تلعب دوراً رئيسياً فيها غير أن البناء لا يكتمل دون أداء المشاركين، هؤلاء هم ثالثة الأثافي في المسألة. من حق معدي ومقدمي البرامج ألا نلومهم إذا تبنوا إذكاء الفتنة بين ضيوفهم سبيلاً للنجاح. ربما كان في ذلك قدراً من الاثارة. قد يكون ذلك سقف رؤاهم. غير أن معادلة هذه البرامج تكتمل بالضيوف أنفسهم. فإذا انتقدنا أسلوب الاعداد وادارة الحوار فإن ذلك لا يبرئ الضيوف خاصة ان العديد من هؤلاء يجأرون بالشكوى اثناء اللقاءات أو بعدها من سوء سلوك المذيعين معهم. لا أدري حقيقة ما الذي يدفع عدداً غير قليل من الضيوف الذين لهم قامات سامقة وأوزان ثقيلة وكثير من الشهرة إلى ولوج حلبات أشبه ما تكون بحلبات صراع الديوك فيتعرضون لنزع ريشهم تحت الاضواء. بعض من هؤلاء يكسب جولة ويخسر أخرى لكنه لا يربح في كل الاحوال أمام المشاهدين. قد يكسب دراهم معدودة ويعتقد أنه يوسع دائرة شهرته غير أن القاعدة في الحالتين ليست مبنية على الاحترام. في حوارات مباشرة مع عدد من الضيوف الذين كرستهم «الجزيرة» نجوماً فضائيين اعترفوا بخطورة الغوغائية الاعلامية ومضوا أبعد من ذلك فأكدواأنهم أداروا حواراً جاداً في لقاءات على صعيد قطري داخل أوطانهم عن جدوى مشاركة أو مقاطعة هذه البرامج لكنهم لم يتوصلوا إلى نتائج قاطعة فتركوا الباب مفتوحاً لمن يريد المشاركة أو المقاطعة. في اعتقادي ان المشاركة في مثل هذه البرامج مثل المقاطعة إذا استمر الغزل على المناول. ما لم تتغير العقلية التي تعد وتدير اللقاءات لن يحدث تقدم. من المهم أن تدرك هذه العقلية ضرورة كسر النمط الحالي بدلاً من تكريسه. ربما يفيد الجزيرة نفسها ان تستوعب ان إحداث نقلة نوعية في طبيعة هذه البرامج تمثل خطوة حتمية في سياق أداء رسالتها. استمرار الحال من المحال. بعد فترة ليست طويلة سيتآكل كل جدار المشاهدين ولن تجد الجزيرة صدى لرسالتها. ليس بالخبر وحده تزدهر القنوات الفضائية.