السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 يبدو ان أغلبنا ينام ويصحو على الكلام.. ويبدو أكثر ان الكلام عادة قديمة، وقديمة جداً عرفها الانسان منذ أن وعى على هذه البسيطة، فأصبحت تلك العادة حياة ومنهجاً ولغة تعامل يومي لا يستطيع الفكاك منها رغم الافرازات المتواصلة لمستجدات العصر التي حاولت ان تعتمد الآلة التي لا تتأفف أو تشكو أو تهدر آلاف الدقائق على الثرثرة والجلسات غير المحببة خاصة لأرباب العمل. ظهر الكمبيوتر والانترنت وغيرهما من المستجدات، إلا ان الكلام ظل مستمراً ومتواصلاً وسيظل كذلك خاصة في شرقنا المثير الذي كان ومازال يعتمد حكاية المقهى. ربما بدأ المقهى التقليدي يفقد أسسه ولغته وزبائنه ومرتاديه القدامى الذين تساقطوا بفعل الزمن ورياح التغيير العاصفة التي هبّت من الولايات المتحدة الأميركية وجهات أوروبا المختلفة، وربما يأتي يوم لا نجد فيه أشهر مقاهي القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، وربما تتبخر من أمام أعيننا رائحة الأمكنة ووجوه الأدباء والمثقفين والفنانين الذين ارتبطوا بالمكان وارتبط المكان بهم، وربما يقال كان هنا وكان هناك، ولكن لن يتوقف الكلام ولن يسكت المتحدثون! وبين أولئك وهؤلاء تنبت فترات صمت غالباً ما تنفجر بالكلام ورشفات من القهوة الساخنة التي لا يحلو الكلام إلا بها، خاصة لدى الانسان في الدول النامية، فهو يصحو على محاضرة طويلة وعريضة تبدأ من سرير النوم وتتواصل في الحمام والمطبخ وغرفة المعيشة وتنتقل الى السيارة فالعمل، فالعودة الى البيت دون توقف، حيث تهدر ملايين الكلمات على أمور أغلبها بلا فائدة أو معنى! ورغم ذلك تتواصل المسيرة، وتتواصل معها الكلمات المهدرة.. يعتقد كثيرون ان النساء هن أكثر ثرثرة وكلاماً من الرجال، إلا ان الواقع يقول غير ذلك، فالتنشئة هي الأساس في عملية الثرثرة والكلام الكثير، فقد أكد علماء اللغة والاجتماع من خلال بحوث حديثة ان النساء العاملات أقل ثرثرة من الرجال العاطلين عن العمل، في اشارة الى أثر الواقع الاجتماعي على هؤلاء الرجال. ولكن هذا يسري على الواقع الاميركي، لأن الدراسات والبحوث في هذا الشأن أجريت على شريحة أميركية، أما بالنسبة للواقع العربي، أو لنقل الواقع الشرقي فيبدو ان الأمر يختلف كليّاً، لأن أدبياتنا وتراثنا وحضارتنا كانت ومازالت قائمة على علم الكلام، فها هو الجاحظ يرصد بالكلمة والاشارة والهمسة أخبار البخلاء، وها هم الرواة يترنمون بحكايات الصعاليك وشعرهم، وها هي كتب الأدب والسيرة ترسم بشكل مثير وجوهاً مختلفة من ألوان القص وتطرّز بالشعر والكلمة المتعافية أشكالاً اخرى من الثرثرة الجميلة التي بدأ الرواة في تناقلها وتناسخها وزخرفتها تضخيماً وتفخيماً، وهاهي شهرزاد تحفر تفاصيل حياتها اليومية بثوانيها ودقائقها وساعاتها وترمي من روحها لهذا الفن الجميل والمثير من الكلام، بينما شهريار يستمع منصتاً بكل اذعان ولا يرتوي! ومن جديد نطرق أبواب التكنولوجيا فنثرثر ونتواصل مع الآخرين بالثرثرة والكلام.. نحتسي كوباً من الشاي أو القهوة، ونثرثر بأناملنا من خلال لغة «الشات» التي يعتقدها البعض انها نبتت هكذا بشكل شيطاني وأصبحت لغة الشباب، بينما الصواب ان «الشات» من اختراعنا نحن العرب! ربما يضحك البعض، وربما يزم الآخرون شفاههم تعجباً أو امتعاضاً، ولكن الواقع يقول بأننا لا نستطيع ان نقاوم عاداتنا، فالكلام عادة جبلنا عليها وترسبت بقاياها في جيناتنا الوراثية، فنحن ننام ونصحو على الكلام. ومن هنا نحلل واقعنا، وننتقد أنفسنا بالكلام، ونتهجم على أعدائنا بالكلام، ونعلق فشلنا واخفاقاتنا بالكلام، وبه نفقد أحبتنا وحكايات عشقنا وفرحنا وحزننا والوجوه التي لم نعتقد اننا سنخسرها أبداً.. وبالكلام نملك ونفعل المستحيلات! وفي الوقت الذي يجادلنا فيه العالم بالأرقام والبحوث والدراسات والنسب والأصفار والخانات والجداول والبيانات الاحصائية، وكم المعلومات التي يعرفونها عنّا، نقوم نحن وبكل بساطة بنسف كل ذلك بكلام لا أول له ولا آخر، يجردنا من منطقنا ليقول لهم: اننا لا نعرف إلا الكلام! انه الواقع الذي نعيشه ولا نستطيع أن نغيره، والذي تكرسه للعالم كله قنواتنا الفضائية من خلال برامجها الحوارية، فالكلام لا يغير الواقع، بل ما وراء الواقع!