السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 أعادت عمليتا مومباسا في كينيا الشهر الماضي الى الاذهان، مسألة استهداف المصالح الاسرائيلية في الخارج، وخاصة في القارة الافريقية التي يشهد التغلغل الصهيوني فيها اتساعا ونفوذا متزايدا. ومع ان الفاعل الحقيقي لايزال مجهولا، رغم البيان المنسوب الى تنظيم القاعدة بادعاء المسئولية عن العمليتين، الا ان قادة اسرائيل سارعوا الى اتهام الفلسطينيين والعرب عامة بالوقوف وراء العمليتين واستهداف المصالح الاسرائيلية في الخارج، بل والتأثير على الانتخابات الحزبية التي تزامنت معهما، وكذلك الانتخابات العامة المقررة اواخر يناير المقبل. ومهما يكن فإن ما حدث يفتح مجددا ملف العلاقات الاسرائيلية الافريقية، واحتمالات توسيع المعركة مع اسرائيل الى خارج الاراضي الفلسطينية. وجود متعدد الأوجه من المعروف ان الكيان الصهيوني وخاصة الجهاز الاستخباري استطاع ان يتغلغل في بعض الدول الافريقية، علما ان الكثير من شعوب هذه الدول كانت تقف بجانب القضايا العربية لسببين، الاول احساس الشعوب الافريقية عبر التاريخ مما جعل قضاياها تشبه الاضطهاد الاسرائيلي للفلسطينيين، والثاني ان نسبة كبيرة من الافارقة تدين بالولاء الى الرابط الديني الاسلامي المشترك مع معظم الشعوب العربية، وهذان الامران كانا من أهم نقاط الالتقاء بين الافارقة والشعوب الباحثة عن الحرية اضافة الى ان العرب دعموا الكثير من قضايا التحرر الوطني في افريقيا. ومع هذا فإن الكثير من الحكومات الافريقية ساعدت الكيان الصهيوني على التدخل حتى في شئونها الخاصة، واذا كانت اسرائيل لم تلق المساعدة في تدخلاتها فإنها تلجأ الى العمل السري داخل بعض البلدان الافريقية. لعل تاريخ هذه التدخلات يعود بشكل واضح الى عام 1903 حينما اقترحت بريطانيا على زعيم الصهيونية تيودور هرتزل توطين اليهود في جزء من الاراضي الاوغندية التي تقع اليوم تحت السيادة الكينية، علما ان اعداد اليهود هناك قليلة نسبيا فلم تكن تتجاوز العشرين عائلة في نيروبي عام 1913، وارتفع عددها الى الخمسين عائلة بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن اسرائيل استطاعت ان تقيم علاقات دبلوماسية مع كينيا عام 1966 بعد استقلال الاخيرة بثلاث سنوات، وهذه العلاقات أتت عن طريقين الاول بمساعدة الولايات المتحدة، والثاني بدعم الكيان الصهيوني لبعض الحكومات الافريقية ومساعدة بعض القوى الانفصالية في الكثير من الدول. الواقع ان الكيان الصهيوني يرتبط بعلاقات متميزة مع الحكومة الكينية، ونتيجة لهذه العلاقات فقد قدمت كينيا مساعدات لوجستية لاسرائيل في عملية «عنتيبي» في العاصمة الاوغندية حينما حاولت القوات الخاصة الاسرائيلية الافراج عن الرهائن في الطائرة التي اختطفها فلسطينيون عام 1976، وكانت هذه المساعدات على قدر كبير من الاهمية حيث قدمت السلطات الكينية مركز الانطلاق والمعلومات وحتى المساعدة في قواتها، وبقيت كينيا على علاقات مع اسرائيل حينما قطعت 30 دولة افريقية علاقاتها بتل أبيب تضامنا مع مصر والقضية الفلسطينية في حرب اكتوبر. وتوجت اسرائيل مشروعها التجسسي في افريقيا بوضع القمر «عاموس 1» فوق مدار القمر العربي «عربسات 2» في اجواء كينيا، مما يساعد تل أبيب في التجسس على الاتصالات العربية من جهة والافريقية من جهة اخرى، ولم تقتصر العلاقات الاسرائيلية على كينيا بل تدخل الموساد في الكثير من الدول الافريقية اما بطريقة مباشرة وبمعرفة حكومات الدول أو بطريقة سرية ان لم توافق تلك الدول. عام 1971 قبض على المرتزق الالماني رودلف شتايزر الذي اعترف ان إسرائيل كانت تدرب بعض المتمردين الافارقة وتمدهم بالأسلحة، ان بعض الكليات العسكرية الصهيونية كانت تدرب سراً الكثير من الضباط لقيادة بعض الفصائل المتمردة ومن هذه المدارس مدرسة «وينجي كابول» وفي اوغندا كان هناك احد كبار الضباط من جهاز الموساد للاشراف على التدخل الصهيوني في افريقيا، ومع كل هذا لم تكتف بهذه الاشكال من التدخلات بل ان إسرائيل تعمل على بث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين وكثيراً ما تشعل الحروب الطائفية، ومن هذه التدخلات ما لعبته تل أبيب من بث الفتنة في نيجيريا ودعم القوات الانفصالية التي تدعو إلى انفصال اقليم «بياقرا» ووصلت الوقاحة لأن يقوم وزير الخارجية الصهيوني السابق ابا ايبان بزيارة الاقليم الانفصالي النيجيري علناً. تدخلات سافرة ان الكثير من الشعوب الافريقية غير راضية عن التدخلات الاسرائيلية وحتى الأميركية خاصة ان بعض الدول تضم نسبة مرتفعة من المسلمين في تعداد سكانها، وكلنا يتذكر المظاهرات الضخمة التي حصلت في نيجيريا ضد ما تقوم به القوات الصهيونية تجاه الفلسطينيين، اما في كينيا فان التدخلات الاسرائيلية تشكل عبئاً ثقيلاً على المسلمين الذين تبلغ نسبتهم هناك حوالي الربع من تعداد السكان البالغ 30 مليون. والذكريات السيئة عن هذه التدخلات تعود بشكل خاص إلى التحقيقات بدخول بيوت المسلمين وتفتيشها بشكل عشوائي مع الاعتقالات الكثيرة التي حصلت إلى عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي المتواجدين في كينيا والذين اشتبهوا بالكثير من المسلمين هناك الذين يخشون في المرحلة الحالية من تدخل جديد للموساد ومكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي مما يبشر باعتقالات كبيرة تطال المسلمين خاصة ان التنظيمات الاسلامية مازالت المتهم الأول. خاصة ان التنظيمات التي تستهدف مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في افريقيا كثيرة جداً فاضافة إلى الحادثتين الاخيرتين وحادثتي تفجير السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا، فإن التحذيرات التي تتلقاها المصالح الأميركية والاسرائيلية لاتزال قائمة بل انها موجودة اصلاً وتزايدت بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنها ما حصل في اكتوبر عام 2001 عندما اخلى مبنى السفارة الإسرائيلية في لاغوس العاصمة التجارية لنيجيريا اثر احتمال تعرض السفارة إلى هجوم. وما حصل مؤخراً في فندق بارادايس واطلاق صاروخين على طائرة تابعة الى شركة اركيا الاسرائيلية يؤكد حقيقة هذه التهديدات، وهذه الصورة تعطي انطباعين واضحين الأول ان أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية المتواجدة بشكل كبير في افريقيا لم تستطع حماية مصالحها في قارة متوترة بشكل كبيرة وتعاني من المجاعة والفقر في القطاع الاوسع من بلادها وسكانها، مع ضعف التنمية الواضح الذي يؤثر على علاقات الدول الافريقية خاصة مع الغرب الذي مازال المتهم الأول بنهب الخيرات الافريقية وحتى انتشار مرض الايدز، اما الانطباع الثاني فهو ان استهداف المصالح الاميركية والإسرائيلية غالباً ما يتم على ايدي افارقة، مع الاحتمال الكبير ان يكون التمويل اجنبياً، بمعنى ان الشعوب الافريقية التي تعاني من الاستعمار الحديث المتمثل في العولمة الاميركية التي مازالت مع الغرب عموماً تشكل العدو الأول بالنسبة للشعب الافريقي، وهذا العدو بطبيعة الحال ليس عدواً وهمياً بل ان الحقائق الاقتصادية تشير إلى النهب المتواصل للثروات الافريقية الذي تقوم به الولايات المتحدة والدول الغربية وحتى إسرائيل. مرحلة جديدة لكن هل من مصلحة الفلسطينيين العودة إلى العمليات خارج حدود فلسطين في هذه المرحلة وما هي الابعاد الجديدة التي يمكن ان تفرضها عمليتا مومباسا؟ تاريخياً لم تكن العمليات التي كان يمارسها الفلسطينيون ضد الأهداف الاسرائيلية تأخذ تلك المناقشات الحادة التي تديرها وسائل الاعلام العالمية خاصة في الوقت الحالي من توصيف هذه العمليات من ناحية الإرهاب أو النضال المشروع، فاليوم تشكل العمليات الاستشهادية أو الهجمات الفدائية موضوع جدل كبير مع حملة الولايات المتحدة في مكافحة الارهاب، لذلك فإن العملية المزدوجة بتفجير الفندق واطلاق الصاروخين على الطائرة الاسرائيلية شكلت محوراً جديداً للجدل السياسي حول الصراع العربي الصهيوني، ومع اعتبار ان قيادات التنظيم الفلسطينية اتخذت قراراً بأن تكون عملياتها موجه ضد الاسرائيليين وتحديداً في فلسطين المحتلة كاملة، فإن بعض هذه التنظيمات قد اتخذت قراراً جزئياً بأن العمليات يجب ان تتركز داخل الاراضي المحتلة عام 1967، وهذه المؤشرات كلها تدل على ان استهداف المصالح الاسرائيلية خارج الكيان الصهيوني ليس وارداً في حسابات التنظيمات الفلسطينية الى الآن. اما رؤية الكيان الصهيوني بعد عمليتي مومباسا فقد بدت من خلال تلويح شارون بأن الفلسطينيين متورطون بما يحصل للاهداف الاسرائيلية خارج الكيان الصهيوني، وهذا ما يفسر حديث الناطق باسم الحكومة الاسرائيلية رعنان غيسين حين قال: الحرب الارهابية التي اطلقها الفلسطينيون علينا لا تترك لنا سوى القضاء عليهم قبل ان يقضوا علينا، وهذا التصريح كان مباشرة بعد العمليتين في كينيا وهو اتهام مباشر للفلسطينيين، بل ان شارون ذاته الذي وجد الفرصة مناسبة لكي يزج نفسه في محاربة تنظيم «القاعدة» بعد اتهامها بالعملية لم ينس بدوره ان يتهم العرب جميعهم حين قال: «لقد حدد الارهاب العربي هدفاً جيداً هو التأثير على حملتنا الانتخابية التمهيدية لحزب الليكود». ويبدو ان اتهامات شارون جاءت لتطرح رؤيته بطريقة مباشرة وتورط العرب في عمليتي كينيا وهذا الامر بالنسبة الى الحسابات الاسرائيلية يؤدي الى غرضين: الاول تأكيد الحملة التي تشنها الولايات المتحدة على العرب والمسلمين وتدعمها اسرائيل، والثاني محاولة تبرير المجازر الصهيونية اليومية التي قام بها الارهابي الشاروني او سيقوم بها لاحقاً. واذا كانت المعادلة تقوم على مستوى العين بالعين والسن بالسن فإن المفارقة تبدو واضحة فيما يتعلق باستهداف كل طرف للآخر فمن المعروف ان الايدي الصهيونية ملوثة بدماء الشهداء الفلسطينيين خارج دائرة الصراع وقائمة اسماء الشهداء الذين اغتالهم الموساد كبيرة جدا، من يوسف النجار الى كمال عدوان الى غسان كنفاني وبعدهم خليل الوزير ابو جهاد وصلاح خلف ابو اياد وحتى الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي ومؤسسها فتحي الشقاقي ومحاولة اغتيال خالد مشعل والقائمة تطول وتطول خاصة بالنسبة الى الاغتيالات التي حصلت خارج فلسطين. تساؤلات ومحاذير ان هذه الاغتيالات وغيرها الكثير من سلسلة الارهاب الصهيوني لم تكن تلقى اعتراضا عالمياً كبيراً، في حين ان اي عملية نضالية فلسطينية سيثار حولها الكثير من الجدل والكثير من الاعتراضات العالمية، بل ان ممارسة اي مجزرة صهيونية اصبحت واقعاً حتى وان كان العمل الفدائي عملاً نضالياً فإن الموضوع سيتحول الى ابرياء واشقياء. وعلى هذه الصورة فإن معادلة انتقال العمل الفدائي خارج حدود فلسطين ليس وارداً بالنسبة الى أي تنظيم فلسطيني في هذه المرحلة بالذات لانه سيفتح على الفلسطينيين باباً جديداً من الصعب اغلاقه، بالمقابل فإن استهداف المصالح الاسرائيلية من غير الفلسطينيين سيجعل حكومة شارون تقع في مأزق مزدوج، الاول مأزق داخلي يتمثل في العمليات الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني وحركة الانتفاضة، والثاني مأزق جديد، او لنقل اعيد احياؤه خارج الكيان مما سيعجل بانهيار حكومة شارون سريعاً، خاصة ان الجهة المنفذة مازلت واقعياً مجهولة رغم الاتهام المباشر لاسامة بن لادن وجماعته، بل ورغم اعتراف الجماعة بذلك في بياناتها. ومهما تكن الجهة المنفذة فإن تل ابيب ستجد فرصة جديدة لاتهام العرب بأنهم وراء تلك العملية وبشكل خاص الفلسطينيين، وقد تتهم بشكل خاص تلك التنظيمات ذات الاتجاه الاسلامي كحركتي «حماس» و«الجهاد». ومع كل هذا فليس من المستبعد ان يكون للكيان الصهيوني يداً طويلة في كل هذه الاعمال، وليس هذا من منطلق اتهام العدو بل ان الايام ستكشف كما كشفت سابقا. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق