السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 في ستينيات القرن الماضي حصدت بريطانيا 11 جائزة من جوائز نوبل في الفيزياء وعلم وظائف الاعضاء والطب. وفي السبعينيات حصدت 13 جائزة. ولكن في عقد الثمانينيات هبط العدد الى أربع جوائز.. وفي التسعينيات لم تحصد بريطانيا سوى جائزتين فقط. وعلى خلفية هذه الحقيقة البليغة وسلبيات أخرى متعددة ومتنوعة يثور جدال أكاديمي في بريطانيا هذه الايام حول تدهور مستوى التعليم الجامعي البريطاني. وبما ان محور هذا الجدال هو استبدال سياسة «الكيف» بسياسة «الكم» في القبول بالجامعات فانه جدال يجب ان يهم البلدان العربية. الغالبية العظمى للجامعات البريطانية تملكها الدولة تقليديا وتتولى تمويلها وبالتالي تقرر الدولة سياسة التعليم العالي. وعلى هذا الاساس ظلت الفلسفة التعليمية الثابتة هي مراعاة «الكيف» وليس «الكم» في قبول الطلاب. والحكمة من وراء ذلك هي انه ليس كل من ينال الشهادة المدرسية الثانوية يصلح للتعليم العالي. فالجامعات كمراكز للبحث العلمي الابداعي يجب ان تكون مقصورة على شريحة المتفوقين من خريجي المدارس. لكن خلال السنوات الاربعين الاخيرة اخذت هذه السياسة تفقد أرضها في عهود الحكومات المتعاقبة باحلال سياسة جديدة تعتمد الكم.. اي فتح باب القبول على مصراعيه بخفض الشروط الاكاديمية لدخول الجامعات. وبموجب هذا التغيير (الذي حدث بتدرج بطيء) صارت نسبة الالتحاق بالجامعة لخريجي المدارس الثانوية الآن واحدا من ثلاثة بينما كانت هذه النسبة في عام 1960 واحدا من كل عشرين طالباً ثانوياً. وتضاعفت اعداد القبول بالجامعات بصفة خاصة خلال عقد الثمانينيات قبل ان تستقر على ما كانت عليه.. ولكن حكومة بلير تعتزم زيادة الاعداد بحيث يتمكن 50 في المئة من خريجي الثانوية من نيل تعليم جامعي بحلول عام 2010. لكن المشكلة ان الكم يأتي على حساب الكيف لأن اعتمادات ميزانية التعليم العالي لم ترتفع وفق معدلات الزيادة في اعداد القبول، فكانت النتيجة الحتمية هي تدهور المستويات الاكاديمية اثناء سنى الدراسة.. وبالتالي تخريج مهنيين في مختلف المجالات (هندسة وطب واقتصاد وادارة وصيدلة) ذوي كفاءات متواضعة نسبيا.. وبالطبع هبوط مستوى البحث العلمي، وبالتالي ايضا هبوط كفاءة اساتذة المستقبل من بين الخريجين. لقد كانت نسبة عدد الطلاب الى عدد الاساتذة في جامعات بريطانيا في السابق هي تسعة طلاب لكل استاذ واحد. اما اليوم فقد تضاعفت النسبة: 18 طالبا لكل استاذ واحد. ومن الواضح ان هذا يعني تقليل مساحة الوقت التي ينفقها الاستاذ على كل طالب. وفي اسوأ الاحوال ـ اذا استمر اختلال النسبة مستقبلا ـ فان هذا يعني ايضا زيادة اعتماد الطلاب على أنفسهم أو على بعضهم البعض. تقليص الاعتمادات المالية للتعليم العالي من اجل اتاحة الفرصة لاعداد أكبر من الشباب للالتحاق بالجامعة يعني ايضا التقشف في الصرف على المختبرات والمعدات والتجهيزات.. بل والكتب وهذا بالضبط هو مغزى تقلص نصيب بريطانيا من جوائز نوبل العلمية كما رأينا. فمع هبوط المستوى الاكاديمي يهبط تلقائيا مستوى الابداع البحثي. وبرزت مشكلة اخرى: مع ازدياد اعداد الاساتذة الجامعيين لمقابلة التوسع المضاعف في قبول الطلاب جنبا الى جنب مع هبوط الموارد المالية، هبطت مستويات الرواتب والامتيازات للاساتذة. وكانت النتيجة ازدياد معدلات هجرة الاساتذة البريطانيين الى الولايات المتحدة وكندا واستراليا. ما هو الحل؟ هذا هو محور الجدل الاكاديمي الدائر في بريطانيا اليوم. فهناك قسم من الاكاديميين ينادي بالعودة الى سياسة «الكيف» السابقة. ورغم ان هذا الاتجاه يسنده الواقع المرئي الا انه ليس مقبولا سياسيا.. فلن تخاطر حكومة بتبنيه. وهناك قسم اخر يرى ان يشارك آباء في تمويل الجامعات بأن يفرض على الطلاب دفع رسوم فعلية على الاساس التجاري. لكن هذا الرأي مرفوض سياسيا ايضا. ويرى فريق آخر خصخصة الجامعات، اي ان ترفع الدولة يدها عن التعليم الجامعي ليكون مجالا استثماريا لرأس المال الخاص. لكن المشكلة ان مثل هذا النظام سوف يتيح فرصة التعليم الجامعي للقادرين فقط.. وليس بالضررة للمتفوقين. وأيا يكون الحال فان التعليم الجامعي البريطاني في حال تدهور. وهذا مؤسف لأن جامعات بريطانيا كانت افضل جامعات الدنيا، وربما لو تتبعنا أسباب تدهور بريطانيا من مستوى القوى الدولية الأولى في العالم الى مستوى دولة من الدرجة الثانية لوجدنا تدهور التعليم الجامعي في جذوره هذه الأسباب. وللبلدان العربية ان تستخلص الموعظة.