السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 في كل يوم أحد كانت تشعر بوحدة نفسية وعاطفية قاتلة..كانت تقف أمام المرآة فترى نفسها وكأنها نخلة عارية.. وعندما كانت تدخل فراشها، وتبحلق في سقف الغرفة كانت تنفجر في أعماقها المهزوزة كل العواطف العاتية.. إنها فتاة اميركية صغيرة نجحت في أن تصبح صحفية لامعة.. لكنها فشلت في ان تعيش علاقة حب ساخنة.. فتحولت قصتها إلى فيلم سينمائي مثير يحمل عنوان :الفتاة التي لم تذق طعم القبلة أبدا.. وهي قصة ساخرة. إن الفتاة الاميركية التي لا تجد شابا يتقرب منها ويحبها ويدعوها للرقص ويحرضها على ممارسة العشق هي في عرف المجتمع الاميركي فتاة مسكينة..مريضة.. تحتاج الرعاية والشفقة..والفتاة التي تدخل عش الزوجية وهي تحتفظ بعذريتها هي فتاة معقدة.. منكسرة.. لم تجد من يطرق باب جسدها من قبل ويدعوها إلى جحيم الرغبة. وتسجل آخر الإحصائيات الرسمية:إن نحو 60 في المئة من طلبة وطلبات المدارس الثانوية الاميركية مارسوا الجنس قبل أن تنضج عواطفهم..وقبل أن يدخلوا الجامعة..وقبل أن يحددوا مصائرهم..وإن نحو 27 في المئة منهم أصبحوا أباء وأمهات دون زواج وقبل أن يستوعبوا معنى الأسرة أو يتحملوا مسئوليتها أو مسئولية وجود طفل في حياتهم.. بل أن أغلب هؤلاء وجدوا أنفسهم في هذه الورطة قبل أن يدرسوا علوم الأحياء والإخصاب.. وإن نحو 33 في المئة من الفتيات جربن الحمل والإجهاض قبل أن يخرجن من مرحلة الطفولة تماما.. قبل أن يفهمن معنى الأمومة.. أو كيفية رعاية الاطفال.. إنهن أمهات قبل الأوان.. أمهات في حاجة إلى رعاية الأمهات. وفي كل عام يسقط ما بين 200 - 300 ألف شاب أعزب تحت الثلاثين ضحايا للأمراض السرية..وتشجع المدارس والكنائس والجمعيات الأهلية الشباب على إستعمال العوازل الطبية وأكثر من نصف المراهقين الاميركيين يستخدمونها.. وهم يضعونها في الفصول والفنادق. والملاعب ودور السينما والحقائب الرياضية وحقائب المؤتمرات مجانا.. وبسبب الخوف من مرض الإيدز زاد عدد الشباب الذي يقبل عليها لتصل النسبة إلى 75 في المئة تقريبا.. لكن.. ذلك لم يرفع نسبة الفتيات المتمسكات بالعذرية قبل الزواج إلا بنسبة ضئيلة.. فالعذرية ليست قيمة إجتماعية تحرص عليها الفتاة.. بل إهانة تتعرض لها الفتاة التي تصر على الحفاظ عليها.. فالناس تنظر إليها كما لو كانت بضاعة بائرة.. لا تجد زبونا لها على حد قول الأديب الشهير أرثر ميللر. إن كل ما في المجتمع الاميركي يدعو إلى الاباحية الجنسية.. السينما.. الفيديو كليب.. برامج التليفزيون.. الاعلانات التجارية.. الملاهي الليلية.. النكات القبيحة.. القوانين الوضعية.. القيم الاجتماعية السائدة.. وربما يبدو مفزعا أن نذكر أن صناعة الاباحية الجنسية هناك تحقق عائدا سنويا لا يقل عن 3200 مليار دولار..وهو رقم يتجاوز الدخل القومي لثلاثة أرباع دول العالم. وقد بدأت الاباحية الجنسية في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية..بعد أن فقدت أوروبا ملايين من رجال وتركت النساء في حالة من الوحدة والوحشة اليائسة..كان هناك ست نساء أمام كل رجل.. وكان شبح الموت لايزال مخيما على البشر.. يشعرهم بقصر الحياة.. ويحرضهم على الإستمتاع بها مهما كانت التحفظات والمحرمات.. فليكن الحب ولو دون زواج.. ولتكن المتعة ولو كانت عابرة.. خاطفة.ومتعبة.. وغير مستقرة.. وإنتشرت فلسفة حرية الجسد وتحرره من القيود المختلفة.. وراحت بيوت الموضة تبتكر أزياء وثيابا تكشف مفاتن المرأة وتمنحها فرصا أكبر للفوز في المنافسة الحادة برجل.. أو بنصف رجل.. أو بربع رجل..فظهرت الثياب القصيرة والعارية والشفافة.. الميني والميكرو جيب والمايوه البيكيني.. مثلا.. وساد نموذج المرأة المثيرة اللعوب..مارلين مونرو.. بريجيت باردو.. صوفيا لورين.. مثلا.. وبإنتاج وإنتشار موانع الحمل بأسعار رخيصة جدا حققت الاباحية الجنسية إنتشارا مذهلا.. فلم تعد خطيئة المرأة تسجل عليها وتفضحها في صورة طفل. وأعترفت المجتمعات الغربية بالطفل اللقيط.. ولم يعد يشعر بأنه منبوذ..وفصلت هذه المجتمعات بين الحب والزواج.. وفرضت شروطا مستقلة لكل منهما. وعبرت الاباحية الجنسية عن نفسها بقوة هادرة في الستينات بعد أن تورطت الولايات المتحدة في حرب فيتنام وفقدت ملايين من شبابها بلا طائل.. في تلك الفترة كانت هناك حركة شبابية متمردة.. مضادة.. راحت تطالب بمقاطعة الحرب.. وممارسة الحب.. وراحت ترفض سلطة الدولة والأسرة والكنيسة والمؤسسات السياسية والحزبية.. وغرقت في المخدرات والجنس والموسيقى..وعاشت في الخلاء على الطبيعة..وقررت أن الموت في غيبوبة المتعة أفضل من الموت بالجراح والحروق في ميادين القتال بعيدا عن الوطن. لكن.. لوكانت نتيجة الحروب ثورة إباحية فإن الطريق إلى الحروب غالبا ما يكون مصحوبا بدعاية أخلاقية.. وبرغبة في العودة للأصولية الدينية..إن الدول تشحن أبنائها للموت في الحروب تحت شعارات سامية.. وسماوية.. وهو ما يحدث الآن في الولايات المتحدة.. إن هناك ردة متنامية.. متصاعدة.. متفجرة ضد الإباحية الجنسية.. وهي ردة منظمة تؤيدها وتمولها إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش.. فهي تريد شبابا أصحاء أقوياء أتقياء ليموتوا في الحرب التي تشنها بدعوى القضاء على الإرهاب.. وهي حرب كونية يمكن أن تمتد لتشمل الكرة الأرضية كاملة. وكأن لا مفر أمام الشباب الاميركي.. إما أن يقع في مستنقع الأمراض التناسيلة بسبب الاباحية الجنسية وإما أن يموت في الحرب بدعوى العفة الاخلاقية. لقد تبنت إدارة الرئيس بوش حملة العفة الجنسية من خلال 700 برنامج قامت بتدريسه لطلاب المدارس الثانوية والجامعات تحت شعار إدخر الجنس للزواج وأنفقت على هذه البرامج 135 مليون دولار سنويا وجعلت كلود آلان نائب وزير الصحة للخدمات البشرية مسئولا عنها..وتأتي هذه الحملة تنفيذا لوعد قطعة الرئيس الاميركي على نفسه أثناء حملته الإنتخابية.. وبنصيحة من مرشده الديني والروحي كارل روف الذي أقنعه بضرورة الظهور بمظهر الرجل المتدين الذي ينفذ مشيئة الله على الأرض.. وإرادة الله على الارض كما فهمها خصومه تبدأ بالعفة وتنتهي بمجازر الحروب.. فهي عفة ليست لوجه العفة وإنما لتبرير قتل الاميركيين في الخارج كما حدث في جنوب شرقي آسيا من قبل. في برنامج من برامج العفة يسمى العواطف والمبادئ والممول بميزانية فيدرالية تلقي كاري هيوز بزوجين من أحجار النرد «الزهر»على أرضية الفصل وهي تقول للطلاب:إن الجنس قبل الزواج مثل القمار..كل رقم يظهر على النرد يمثل مجازفة.. حمل.. مرض جنسي.. أو قلب مجروح.. ثم تطفئ أنوار الغرفة وتبدأ في تشغيل جهاز الشرائح المصورة.. إن الصور التي يراها الطلاب تضاعف من مخاوفهم وتزيد من إحساسهم بالبشاعة على حد قول مجلة «نيوزويك» الاميركية.. بقع..صديد.. التهاب وبائي.. وهو ما جعل الطلاب يصرخون :يا للقرف. وقالت فتاة عمرها 14 سنة في الصف الأول الثانوي هي لورا هيرست:يا ربي لقد غيرت وجهة نظري عن كل شئ تقريبا. وتبدو كاري هيوز كفتاة عصرية بما يكفي لتفاعل الصغار معها.. فهي تكشف جزء من بطنها فوق سروال أسود ضيق.. لكنها في الوقت نفسه حازمة وصارمة بما يكفي للتأثير فيمن يسمعونها.. وهي تؤمن بأن الصغار في سن المراهقة لا يطيعون إلا من يشعرونهم بالقسوة والسيطرة.. لذلك فهم ضحايا للتيارات الفاشية والأصولية مهما كانت متشددة ومتطرفة وتدعوهم إلى حمل السلاح. وتنتشر هذه البرامج المخيفة والمقززة في ثلث المدارس الاميركية وقد حققت نجاحا لايمكن التقليل منه.. فقد إنخفضت نسبة طلاب الثانوية الذين قالوا أنهم مارسوا الجنس قبل الجامعة من 54 في المئة عام 1991 إلى 46 في المئة عام 2001.. كما أن نسبة الحمل والإجهاض بين الفتيات نقصت بنسبة لا تقل عن 8 في المئة.. لكن.. ذلك لايمنع أن ما يقرب من نصف طلاب الثانوية يمارسون الجنس قبل أن تكتمل عواطفهم وقبل أن تنضج مشاعرهم.. كما أن نصف الفتيات على الأقل يفقدن عذريتهن قبل سن العشرين.. وهو ما أشعل معركة إجتماعية ساخنة بين أنصار العفة وأنصار حقوق الإنسان..وهي معركة تجد صداها في الصحافة والتليفزيون وقاعات البحث الجامعية وجمعيات الحقوق المدنية. إن المعارضين لبرنامج العفة ليسوا من أنصار الإباحية الجنسية ولكنهم يخشون أن يؤدي البرنامج لحالة من الفاشية الإنسانية كما حدث في ألمانيا النازية..إن حزب أودلف هتلر قد ركز بصورة مرضية على سمو الجنس الآري ونقائه العنصري لضمان سيادته وسيطرته على الدنيا كلها.. وقد نتج عن ذلك ما نتج..حرب عالمية إجتاحت أوروبا.. ومعسكرات حشد ومجازر راح ضحيتها أقليات عرقية دينية مختلفة.. فلا يجوز تكرار هذه المأساة في مجتمع قائم على التنوع العرقي والبشري والديني.. ولو بدأ هذا المجتمع بوضع قيود على اباحية ممارسة الحب فإنه سرعان ما سيواصل وضع الحواجز والقيود على باقي حرياته الخاصة والعامة. ويقول المعارضون:إن ما نخشاه هو إن يحقق جورج بوش نجاحا سهلا ويستخدم العفة إستخداما سياسيا وعسكريا على طريقة الحروب الدينية في القرون الوسطى.. لقد حفزت هذه الحروب الشباب على الحفاظ على البكارة والطاقة لتحول الضغط النفسي والعصبي المسبب للكبت كوقود للقتال الشرس المبني على الترفع عن متع الحياة بحثا عن نعيم الفردوس في العالم الآخر.. إن الآثار السياسية والاجتماعية والدينية لذلك لن تكون هينة.. فقد تنتهي الحرب الكونية الخارجية بحرب أهلية داخلية.. خاصة وأن المجتمع الاميركي هو مجتمع موزاييك مكون من أقليات عرقية وعنصرية ودينية متنوعة ومختلفة. لكن المؤيدين لبرامج العفة والذين ينصحون الشباب بوضع أقفال على النصف السفلى من ثيابهم يقولون :إن الدين يحمى المراهقين من الوقوع في الخطيئة ويحمي المجتمع من التفكك والإنحلال.. فممارسة الجنس في وقت مبكر تسبب أمراضا خطيرة يكلف علاجها مالا يقل عن 3 مليارات دولار سنويا.. كما أنه ينشط تجارة المخدرات التي يصل حجمها إلى نحو 300 مليار دولار.. كذلك فإنها تدفع ثلاثة أرباع الشباب إلى شرب الخمر وبعضهم يصل إلى مرحلة الإدمان قبل أن يصل إلى سن العشرين..إن العفة تحمي المجتمع من أمراضه النفسية والصحية..وتجعله سليما معافيا قادرا على البقاء فوق رأس الدنيا كلها. على أن المعارضين لهذه البرامج يرون إنها تحتقر الجنس كسلوك إنساني طبيعي ولا تكتفي بالتحذير من التعامل معه مبكرا.. وهو ما يسبب مشاكل نفسية وإجتماعية فيما بعد عندما يتزوج هؤلاء الصغار ويستقلون بأسرهم.. إن متاعبهم وعقدهم الخاصة ستظهر في ذلك الوقت.. وهي عقد ومتاعب ليست هينة في ظل الاباحية الجنسية.. فربع الزيجات في المجتمعات الاميركية المحافظة تنتهي بالطلاق بسبب الأفكار الجنسية الخاطئة.. والمريضة.. إن الوسطية مطلوبة.. فالجنس فرار.. والتزمت فرار.. والبراعة في دقة وتوقيت الاختيار. لكن.. الإنقلاب الصارخ الذي لفت إنتباه مجلة «نيوزويك» كان في تغير قيمة العذرية في ضمير الفتاة الاميركية.. لم يعد الحفاظ على العذرية إهانة أو بضاعة بائرة لا تجد من يقترب منها كما كان سائدا حتى وقت قريب.. ولكنه أصبح صورة رومانسية شفافة يسعى إليها أعداد متزايدة من الشباب والفتيات.. وقد أفردت المجلة الاميركية الشهيرة خمس صفحات من عددها قبل الأخير لشهادات حية لبعض من أصروا على العذرية من الجنسين في أول تحقيق صحفي من نوعه.. بدت فيه منتصرة.. وكأنها تنفرد بصورة هبوط أول إنسان على سطح القمر. أليس كونس طالبة جامعية عمرها 18 سنة تؤيد الحركة النسوية لكنها لا توافق على التشبه بالرجال كما أنها سعيدة لأنها لاتزال عذراء.. إنها ترتاد الكنيسة كل يوم أحد وتعطي دروسا دينية.. لكنها تقول:إن الدين ليس السبب الذي دفعها إلى اختيار العفة.. بالطبع هي تخشى الحمل والأمراض المعدية.. لكن الأهم إنها ليست ناضجة بما يكفي عاطفيا للتعاطي مع الحميمية العميقة التي يولدها الجنس..ورغم أن معظم أصحابها يرفضون تصورها ومنطقها إلا أنها لا تشعر إنها منبوذة.. لكن.. ذلك لايمنع أنها أحيانا توحي على غير الحقيقة بأنها فعلت ما يفعله أصحابها.. فلا يزال هناك من يشعر أن العذراء فتاة غير مقبولة وغير جذابة. كريس نيكوليتي طالب ثانوي عمره 16 سنة نصحه والده بالعفة فتعهد له بأن يبقى عفيفا حتى الزواج وأن لا يسمح لصديقته بأن تتجاوز حدودها.. ورغم أن صديقته الأولى إتهمته بالشذوذ لكن صديقته الأخيرة تفهمت وجهة نظره عندما شرحها لها.. لقد ذهبا معا إلى الكنيسة وإندمجا في جماعة محافظة ترى أن الله يخاصم الذين يفرطون في أجسادهم بلا إرتباط ويصيبهم بالأمراض المستحيلة الشفاء.. على أن المجتمع خارج الكنيسة يحرض على الخطيئة.. ويشجع عليها.. ومن ثم فإنه يشعر بضغوط هائلة عليه من جميع الجهات.. وهو ما سبب له تأخرا في دراسته بعد أن كان متفوقا فيها. إن ذلك ما تعترف به لاتويا هاجنر التي تقول:إن البقاء عذراء ليس أمرا سهلا..لقد أصبحت ثلاث من صديقاتها على الأقل أمهات دون زواج وقبل أن يتركن المدرسة الثانوية.. إن عمرها 18 سنة لكنها تتمتع بنضج يتجاوز عمرها.. إنها تخشى أن يضيع مستقبلها لو تورطت في علاقة إنتهت بوجود طفل يحتاج لتفرغ في رعايته وهوما يحرمها من مواصلة دراستها ويهدد مستقبلها بالضياع.. ولإبعاد نفسها عن الفتنة التي تحاصرها في كل مكان لم تعد تشاهد سوى قناة ديزني أو تسترخي في حجرتها تردد ما تحفظه من الشعر الرومانسي. ورغم أن دانييلا أراندا إنتخبت ملكة جمال ولاية تكساس ورغم أنها عملت موديلا لإعلانات المايوهات إلا أنها تعتبر نفسها مسيحية إنجيلية محافظة.. وقد نذرت نفسها وعمرها 13 سنة أن تبقى عذراء وقد وفت بوعدها حتى الآن.. وتقول:إن من لم يجرب الخطيئة لا يشعر بضغطها عليه ولا بحاجته إليها.. إن من يبتعد عن أنياب الأسد سينجو بنفسه. وأخيرا تقول:إن الدنيا تتغير وعلينا أن نستوعب تغيرها.. والثبات موات.. والموات خروج من الواقع الذي نعيشه.. هذا ما قالته دانييلا أراندا.. ولا نعلق أو نضيف. ـ كاتب مصري