السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 تؤكد القراءة الهادئة والمتأنية للمبادرة الأميركية للديمقراطية والاصلاح في العالم العربي، والتي أعلنها كولن باول وزير الخارجية الأميركي يوم أمس الأول، أن واشنطن حسمت أمرها نهائياً على توجيه ضربة عسكرية ساحقة للعراق وتغيير نظام حكمه. فالواقع أن هذه المبادرة بمثابة محاولة أميركية لاغراء الشعوب العربية للقبول بمخططاتها تجاه العراق، على أمل ان يتحقق لها المزيد من الحرية السياسية والديقراطية في المستقبل. كما أن هذه المبادرة في الوقت ذاته بمثابة عصا تهدد وتضغط بها واشنطن على النظم العربية، من أجل تسهيل ضرب العراق، والموافقة على ذلك ولو بشكل غير معلن. لذا فإن أهداف هذه المبادرة لا تحمل على الاطلاق أي فوائد للعالم العربي، خصوصاً وأن الولايات المتحدة لا تريد بالفعل ديمقراطية حقيقية في هذه المنطقة، إذ أنه لو وجدت الديمقراطية الحقيقية لكانت مصالح أميركا واسرائيل أول المتأثرين بذلك. فأبسط قواعد الديمقراطية، هي أن تمارس واشنطن ضغوطها على تل أبيب لوقف عدوانها واحتلالها لأرض الشعب الفلسطيني وتقبل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية الصادرة في قضية الصراع العربي الاسرائيلي. لكن هذا لم يحدث وقد لا يحدث وما تحاول واشنطن الترويج له، هو حملة خداع ونصب سياسي، هدفها اقناع العرب بالتضحية بالعراق من أجل بضعة آمال لن تتحقق. ولعل الجميع يتذكر نفس هذه الخديعة ابان الحرب على أفغانستان، إذ أعلنت واشنطن جملة مواقف جيدة بخصوص القضية الفلسطينية من أجل ضمان التأييد العربي والإسلامي لتدمير أفغانستان وبعد تحقيق هدفها واقصائها لنظام طالبان الحاكم وتدمير شبكة القاعدة واعتقال العديد من أفرادها، لحست وعودها التي قطعتها على نفسها بخصوص فلسطين، وتناغمت مواقفها مع مواقف السفاح ارييل شارون ولا تزال تتناغم مع هذه المواقف. لذلك على العالم العربي ألا ينساق وراء خديعة جديدة لن تقود إلا إلى بحار من الدماء في شوارع بغداد، وفي الوقت ذاته على النظم العربية ان تلجأ إلى استراتيجية مغايرة تنبع من أهداف وطنية عمادها اطلاق الحريات العامة وتحرير الممارسة السياسية من القيود المفروضة عليها، حتى لا تجد نفسها مضطرة لتنفيذ ما يفرض عليها بالعصا الأميركية وفق استراتيجية أميركية أهدافها معادية لأهداف ومصالح العرب جميعهم شعوباً وحكومات.