السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 يولع الناس بسلوكيات معينة تلازمهم وقتاً طويلاً من حياتهم، وتتحول الى عادات ترسم شخصياتهم ومن دونها تجدهم كمن فقد شيئاً عزيزاً. فالولع كان سابقاً ان يتعلق المرء بالتدخين أو بالسبحة يقلبها بين يديه ويعد حباتها مرة تلو الاخرى، وكان البعض يولعون بالأبناء أو بالعكس يولع الابناء بالامهات، فتجد الطفل شديد التعلق بأمه إذا ما تركته ولم تصطحبه معها الى الجيران، ينبطح وهو يبكي ويخبط الأرض بقدميه ويديه، ويولع فريق آخر بالسهر ليلاً يقزقزون البذر ويرشفون الشاي حتى شقشقة ضوء الفجر، ومن بين الولع ما يصنف ثرثرة وحب الحكي، حيث يسرد البعض قصة اعداد الطعام وطريقة تحضير شوربة العدس وكأنها اختراع معقد، أو تمضية الصباح في شرب القهوة، بعدها تدور طاحونة الكلام عن قصص مألوفة ومكررة أُعيد سردها عشرات المرات، الذين يولعون بالثرثرة قلائل لأنها تتطلب خيالاً خصباً ونفساً طويلاً وهمة عالية ليثرثروا، ولا يعني ذلك ابداً ان المستمعين لديهم ولع بالاصغاء، انهم مجرد أشخاص يؤانسون المتحدث وسرعان ما يقاطعونه بسؤال عن أخبار أحد الغيّاب ومن ثم يعودون للمتحدث: نعم اكمل سالفتك يا بو فلان. وتعدد أوجه الولع قديماً لا يفقدها بريقها حاضرا، فهناك ولع بشري كلما تعقدت شئون العلم وتطورت أحداث الحياة، ولكن الولع الجديد بالهواتف النقالة فاق الولع الكلاسيكي بالسيجارة أو السبحة وحافظ على ولع الثرثرة، إذ يمكن من خلال الموبايل ممارسة فن الحكي حتى تخلص البطاقة أو البطارية أو ينقطع الارسال عندما يدخل المرء الى أحد المصاعد. وولع الموبايل ليس حكراً على شخص أو سن أو قوم بعينهم، انه ولع عام لأن حب اقتناء أحدث الموديلات يصيب الجميع، لذلك ترى كل مولع يقلب بين يديه أحدث موديل من الفئة الجديدة، وهذا الولع متاح لكل الناس تقريباً لأن ثمن الموبايل في متناول الجميع، لكن ماذا يحدث لو أصيب أحدنا بولع السيارات الجديدة؟ هذه مشكلة ضخمة لا تحل بسهولة، والأفضل ألا يولع المرء بمثل هذه السلع الاستعراضية وان يكتفي باستعراض هاتفه النقال أمام أصدقائه الذين سيبزونه ولعاً ذات يوم بهاتف أحدث وأصغر وفيه كاميرا وراديو وفاكس وانترنت ويشغل السيارة عن بعد... والحبل على الجرار. والناس عموماً تولع باستعراضات كمالية، لذلك تراهم يتباهون بها أمام الملأ ويحملونها معهم، فالسيارة الفارهة والهاتف الاسطوري والساعة الثمينة التي كلما مرت ستون دقيقة تقول لصاحبها: محمود انها الواحدة ظهراً، فيسارع محمود الى تناول الغداء! في حين ان المرء إذا ابتنى بيتاً جميلاً وأُولِع به لا يمكنه ان يتباهى به بين زملائه إلا إذا دعاهم الى وليمة، ومن بعدها تجشأوا وتفتلوا في البيت وهم يشهقون لمنظر السمك الاستوائي في غرف زجاجية عملاقة ولمشهد النبات المتلوّن الذي إذا لمسته أصبح لونه أحمر من الخجل، ولا يفوت القوم الاعجاب بالمرمر وبالمرايا ومقابض الأبواب وغيرها من المباهيات التي تستحق ان يُولم لها وليمة حاتمية. لكن إذا أُولع المرء بالطعام، عندها لا مناص من الهرب شمالاً وجنوباً لمحاربة السمنة، مرة بكريمات التخسيس، وثانية بحبوب قاطعة للشهية، وثالثة بشفط الدهون وحزم الرقاب والعيون، فإذا كان الولع هدر المال على الفشخرة والمباهاة قديماً، فإنه حديثاً مضيعة للوقت والعقول، وأشده مضيعة للصحة، كما هو الحال في ولع الطعام، لأن من الولع ما قتل!