الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 خلال الأسبوع الأول من انتفاضة الأقصى، أسقط رصاص الشرطة الاسرائيلية ثلاثة عشر شهيدا وجرح ألفا من فلسطينيي 1948 المرابطين في مدينة الناصرة وجوارها، وفي المدن المختلطة مثل يافا وحيفا وعكا، تعرض الفلسطينيون لحملات من المطاردة البوليسية والشعبية.. جرت فيها عمليات استباحة مطلقة لأرواحهم وممتلكاتهم بشكل مكثف. وأعلنت دوائر يهودية عن المقاطعة الاقتصادية للمصالح الفلسطينية، ونادى قطاع واسع من يهود اسرائيل بنبذ فلسطينيي الدولة وحرمانهم من الحد الأدنى الحقوقي المتوفر لهم منذ 1948. حدث ذلك كله على خلفية ما عرف بهبة فلسطينيي 1948 لنصرة مواطنيهم التاريخيين في انتفاضتهم بالضفة وغزة، وفي كل ردود أفعالها لتلك الهبة المدنية الطابع وتجلياتها الاحتجاجية السلمية، لم تراع النخب اليهودية المسيطرة في الحكم والمعارضة وكذا على الصعيد الأهلي أن فلسطينيي 48 المقصودين بتلك الاجراءات الارهابية هم مواطنون اسرائيليون أيضا. لقد بلغ التعصب العنصري مداه الى المستوى الذي ما كان من الممكن معه اخفاء الوجه الحقيقي للصهيونية الحاكمة.. حتى أن المستشفيات اليهودية سجلت جرحى فلسطينيي 48 الذين اضطرت لاستقبالهم تحت بند «جرحى العدو» كانت تلك واحدة من أبرز اللحظات الفارقة، لحظات الحقيقة، التي تجلت فيها أوضاع فلسطينيي 48، بصفتهم القومية داخل دولة هي بتعريفها لذاتها دولة لليهود فقط. وللتذكير، نلفت الانتباه الى أن تلك اللحظة الكاشفة جرت في ظل حكم حزب العمل ومشايعيه من القوى المصنفة لدى البعض على أنها «معسكر السلام» في هذه الدولة. خط المحنة من فضائل تلك اللحظة، على رغم مأساويتها، أنها أوضحت الخط الفاصل بين يهود اسرائيل وفلسطينييها، بين التجمع الاستيطاني الاستعماري المسيطر والمجتمع الأصيل. وعلى اثرها، ظهرت محنة القوى المراهنة على احتمال زوال ذلك الفاصل مع توالي السنين والتدرج في النضال المدني الحقوقي واطمئنان المستوطنين الى قواعد دولتهم وثباتها في محيطها الاقليمي وقوتها الذاتية.. ومن هذه القوى بعض التيارات السياسية والشعبية المدنية لفلسطينيي 48 أنفسهم التي تناضل بزعمها من أجل «الاندماج» في الدولة اليهودية بعد تحويلها الى دولة لكل مواطنيها. وفي الوقت نفسه، حققت التيارات المخالفة لهذا التوجه، الرامية الى قدر من الاستقلالية الذاتية لفلسطينيي 48، نقاطا كثيرة في سلتها الفكرية والسياسية، بعد أن ثبتت صحة توقعاتها حول صعوبة - ان لم تكن استحالة - تخلي النخب الصهيونية اليهودية عن بناها الايديولوجية العنصرية ومؤسساتها الحاكمة، لصالح المجتمع اليهودي العربي المتساوي في الحقوق والواجبات بالكامل. غداة الانتفاضة وهبة فلسطينيي 48 وسياسة القتل على الهوية التي اتبعتها مؤسسة الحكم الصهيونية دون تفرقة بين المنتفضين في الضفة وغزة والمحتجين في الداخل الاسرائيلي، اكتسبت تيارات الانعزال أرضا واسعة بين فلسطينيي 48 ومضت الى مناقشة جذرية الطابع لقضايا الوجود الفلسطيني في صلب الدولة اليهودية. وبين الحلول التي استطرد اليها ذلك النقاش: منح الاستقلال المؤسساتي للفلسطينيين لتمييزهم كأقلية قومية مختلفة، انطلاقا من اعلان الأمم المتحدة لحقوق الأقليات القومية أو الاثنية أو الدينية أو اللغوية لعام 1992 ومنح الحكم الذاتي للفلسطينيين في المناطق والأحياء التي يتركزون فيها بكثافة داخل اسرائيل «الجليل والمثلث والنقب».. واقامة دولة ذات قوميتين غربي نهر الأردن على غرار بلجيكا «بين الوالون والفلمنك اللذين لكل منهما حكومة مستقلة». وكان من اللافت أن بعض أنصار هذه التيارات دعوا الى ضرورة البحث عن فرص التمثيل المحسوب لفلسطينيي 48 داخل المجلس الوطني الفلسطيني وبعض مؤسسات سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة!وكخطوة على هذا الطريق، ذهب فريق من هؤلاء الى بلورة أكبر وأجدى لأطر فلسطينيي 48 السياسية لتحسين أوضاع «لجنة المتابعة العليا للعرب في اسرائيل» الموجودة بالفعل وتوسيع اختصاصاتها، وانشاء مؤسسات ثقافية واجتماعية وتعليمية وصحية تتولى طموحات القطاع العربي داخل اسرائيل بمعزل عن السيطرة اليهودية. ابان حمأة هذا النقاش المعمق، بدأت الحملة الانتخابية والمنافسة السياسية بين ارييل شارون وايهود باراك.وكانت تلك مناسبة مثالية لاختبار تداعيات ما بعد الانتفاضة والهبة على خيارات الوسط العربي السياسية.فقد دعت التيارات الانعزالية «الاستقلالية» لمقاطعة العملية الانتخابية ولاسيما ما يتعلق منها بالمفاضلة بين كتلتي العمل والليكود، باراك وشارون، على حد سواء. وجاءت النتيجة شبه حاسمة لصالح تلك الدعوة وأصحابها. اذ حجب أكثر من 80 في المئة من الفلسطينيين أصواتهم عن الكتلتين في يوم الانتخاب «6فبراير 2001». اشكالية متجددة كانت تلك المقاطعة بمثابة اعلان عن انعتاق القطاع الفلسطيني من نفوذ حزب العمل وردا على مراوغاته الممتدة تجاه حقوقهم في الداخل الاسرائيلي وحقوق شعبهم في الخارج. لكن فلسطينيي 48 سجلوا بموقفهم ذلك أيضا تميزا واضحا عن ميول السلطة الفلسطينية وبعض الدوائر السياسية في المحيط العربي كله، التي آثرت مشاركتهم والتصويت لمرشح العمل باراك. ومؤدى ذلك، أن فلسطينيي 48 بادروا -للمرة الأولى- باتخاذ موقف سياسي ذاتي، أملته عليهم تحليلاتهم الخاصة للعلاقة مع النظام الاسرائيلي من جانب والنظام الفلسطيني من جانب آخر. واذا نحن أمعنا النظر، أدركنا ما ينطوي عليه هذا التطور «التحول» من مشاعر لفلسطينيي 48 تجاه النظامين. انهم غاضبون من وضعيتهم البائسة في العملية السياسية الاسرائيلية، لكنهم أيضا غير راضين عن مقاربة النظام الفلسطيني لأحوالهم! التبصر في تجربة فلسطينيي 48 مع انتخابات فبراير 2001 مهم جدا لمن أراد استطلاع مدى الاستمرارية والتغير في مقاربتهم للعملية السياسية الاسرائيلية في انتخابات يناير 2003 لقد انتكست حكومة شارون بالقضيتين الأساسيتين اللتين تشغلان اهتمامات فلسطينيي 48: قضية التحرر الوطني لشعبهم الأصيل، وقضية الارتقاء بحقوقهم السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية داخل اسرائيل. وكان حزب العمل شريكا في ممارسات هذه الحكومة حتى لحظتها الأخيرة، ما ينفي الزعم بطهرية هذا الحزب النسبية. وكان ذلك كفيلا بديمومة العزوف عن الانغماس في عملية سياسية لا يرجى من ورائها تحول يستجيب لطموحات القطاع العربي الفلسطيني في الدولة التي كانت ومازالت لليهود فقط. غير أن طفو «عمرام ميتسناع» على رأس حزب العمل، بخطابه السياسي الذي أغرى البعض بوجود آمال للتغير الايجابي تجاه هذه الطموحات، يضفي بعض الشكوك على مسألة استمرار مقاطعة هذا القطاع للانتخابات وتكرار تجربة 2001. ثم ان بعض أقطاب النظام الفلسطيني تعلقوا بهذه الآمال وراحوا يجددون النداء القديم لفلسطينيي 48 بالمشاركة والانغماس، خدمة لما يعتبرونه «معسكر سلام» في اسرائيل. وهكذا، يبدو وكأن فلسطينيي 48 وقعوا مجددا بين خيارات تتجاذبهم. بين تجارب مريرة لمشاركة مع العمل لم تكن مجدية في السابق ورغبات بأن يحاولوا مرة أخرى. كونهم لن يخسروا في كل حال. وأن مشاركتهم القوية خلف أحزابهم العربية ستضمن تصعيد كتلة ربما تتمكن من المساومة من موقع أفضل مع حزب «العمل ومشايعيه» الذي أصبح قليل الحيلة. وعلينا أن ننتظر لنرى كيف سيتم التعامل مع هذه الاشكالية. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة