الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 تتعاظم الاشكالية، بل الزوبعة التي فجرها مسلسل ـ فارس بلا جواد ـ الذي انتجته العبقرية الفنية في مصر، وتلقفته الفضائيات العربية، وجبة رمضانية ثقافية دسمة لمشاهديها طوال الشهر المبارك.. فالمسلسل من الناحية الفنية ليس اختراقا في الحقل الابداعي، والدرامي الذي اعتدناه وبخاصة خلال شهر رمضان من كل عام، كما ان قصته، ووقائع احداثه ليس فيها تلك الجدة، وذلك التمييز، المبهر والذي شهدناه خلال أكثر من عقدين من عمر الدراما العربية. غير ان هذا المسلسل.. القضية ـ قد احدث من الدوي والارتجاج والتصدع في النظرية الصهيونية العنصرية ما جعله حديث وسائل الاعلام قبل ان يولد على شاشات الفضائيات بالنظر لخطورة وأهمية الموضوع الذي تناوله، والتاريخ الذي كشف الستار عنه. فقد سلط ـ المسلسل ـ الضوء على حقيقة الصهيونية وعنصريتها، والاستعمار البريطاني لفلسطين، ودوره المشبوه والإجرامي في خلق النكبة الفلسطينية وتمكين الكيان الصهيوني من الانزراع والحياة في الأرض العربية. كما فضح حقيقة المؤامرة الصهيونية المتمثلة فيما سمي بروتوكولات حكماء صهيون التي حاولت الدعاية الصهيونية التنصل منها، وعدم الاعتراف بها، ونسبتها الى المخابرات القيصرية غير ان ما يشهده العالم من ارتكابات، وجرائم الكيان الصهيوني على ارض فلسطين وممارسات الصهاينة على المستوى الدولي يؤكد أن هذه ـ البروتوكولات ـ إنما هي برنامج الصهيونية الأعرق، ومنهجها الأدق، وصورتها الالصق بحقيقتها وجوهرها. وما الاستنكار الذي ابدته أميركا ضد المسلسل وتوجيه الاتهامات الباطلة له إلا دليل على الوجع الذي احدثه وضع تاريخ الصهيونية امام شمس الحقيقة، وفضح ذرائعها ودعاواها.. كما تؤكد حماسة اميركا ضد هذا ـ المسلسل ـ حجم السيطرة الصهيونية على البلد الاعظم في هذا الكوكب، والذي يدعى الحرص، على الرأي والرأي الآخر، وحرية التعبير والحوار عبر وسائل الثقافة والفن والإعلام! إن هذه الضجة التي خدمت رواج المسلسل بشكل غير مباشر لا بد أن تدفعنا الى التساؤل: 1ـ اميركا حليفة الصهيونية العنصرية مستنفرة للدفاع عن الصهيونية بشراسة سواء بالسلاح او بالفكر والثقافة والرأي. وإنه ربما جاء يوم تطالبنا فيه أميركا كأمة عربية ومسلمة ان نتجاهل ما جاء في كتابنا السماوي المقدس من آيات تصف حقيقة اليهود كما هم.. كما تطالبنا بنسيان تاريخنا الثقافي، وإلغاء كل ما في برامج مدارسنا من شعر ونثر يتحدث عن الوجه البشع، والفعل الشنيع والخطير للصهيونية العنصرية في وطننا! 2ـ إذا كان ـ فارس بلا جواد ـ نوعا من ـ اللاسامية ـ كما يدعي المطالبون بإيقافه، او تعديله، أو حذف ما يشير الى ـ بروتوكولات حكماء صهيون فيه ـ فماذا نسمي الافلام الألف التي انتجتها هوليوود حتى اليوم حول التاريخ والواقع العربي.. وعن الحجم الهائل من التزوير والتلفيق الذي يصور العربي على انه ارهابي بطبعه، كسول، وجبان، وكاذب.. وإنه يعاشر الجمال والنوق، والحمير والماعز! كما تصور ـ هوليوود ـ جميع الابطال من العرب في افلامها على انهم مغتصبون للنساء واشرار وسكارى، وأوغاد، وقتلة!! كما تظهر هذه الأفلام، العرب على انهم يستعبدون الافارقة، وانهم اعداء للمسيحية. وتتجاهل هذه الافلام الوجود المسيحي الفاعل والمتآخي في الوطن العربي..!! إن هذا المسلسل يشعرنا كمثقفين وإبداعيين بمدى تقصيرنا في حق قضيتنا المركزية، وإهمالنا سلاح الفن في الصراع العربي الصهيوني باعتباره الأعمق أثراً والأوسع انتشاراً والأكثر اقتداراً على تصنيع الأفكار وصياغة الرأي العام وتحديد التوجهات الشعبية على المستوى العالمي.. نأمل أن يكون ـ فارس بلا جواد ـ هو الحجر الذي انتظرناه طويلا لتحريك الماء الراكد في بحيرة الفن الملتزم.. فمعارك الصراع العربي الصهيوني لا تعتمد على الحجر والسلاح، على تعدد ميادينه وساحاته، فحسب.. فلنتقن استخدام سلاح الفن والابداع باللغة التي يفهمها الآخرون خلف البحار، كما داخل الديار، لتحقيق النصر المنشود في الحرب المفتوحة على جميع الجهات والجبهات حتى تحرير كل ذرة من الأرض والحقوق. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب