الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 قدم العراقيون تقريرهم حول نشاط التسليح في بلادهم منذ السبعينيات في 12 ألف صفحة لعلهم بذلك يجنبون المنطقة حربا بدأت تدق طبولها في الأفق. ورغم ذلك فإن تصريحات الساسة الأميركيين تشير الى أن قرار غزو العراق قد اتخذ بالفعل ويبقى تنفيذه في الوقت المناسب بعد اكتمال منظومة الحرب التي وضعها العسكريون الأميركيون، بغض النظر عن الأوضاع الاقليمية والدولية ومهما كانت نتائج مهمة فرق التفتيش والتحقق والمراقبة. ومن الملاحظ أن الادارة الأميركية تتحرك الآن وفق ما تعتقده وتراه، ضاربة عرض الحائط بأي رأي آخر وفي اتجاهات متعددة. أولا: الإيحاء بأن العراق - رغم تقريره - ما زال يمتلك رصيدا ضخما من مكونات الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية، وهو ما يستوجب إعطاء الولايات المتحدة الضوء الأخضر لشن حرب واسعة النطاق على العراق. وهو نوع من الاذلال لم نره في التاريخ منذ غزو التتار للشرق العربي. ثانيا: رغم أن السلطات العراقية قد فتحت للتفتيش حسبما نرى الكثير من المواقع ومن بينها القصور الرئاسية إلا أن الولايات المتحدة تحاول التشكيك في قدرة المفتشين على اكتشاف مواقع الأسلحة بسبب خداع المسئولين العراقيين. ثالثا: إعطاء المبررات التي تمكن الولايات المتحدة أو تعطيها شرعية الاطاحة بالحكومة العراقية واستبدالها بحكومة شبيهة بحكومة حامد قرضاي في أفغانستان. وفي اعتقادي أن هذه الأمور الثلاثة مؤشر على أن ما تفعله فرق التفتيش في العراق تحصيل حاصل، وقد تصل مهمتهم عاجلا أو آجلا الى طريق مسدود بافتعال مشكلات مع الحكومة العراقية تقود الى مغادرتهم بغداد ومن ثم يصبح الطريق ممهدا أمام الغزو الأميركي للعراق. على أي حال بغض النظر عن توقيت وحجم هذا الغزو فالذي نحذر منه هو أنه سوف يشعل نارا بالمنطقة، ولست أدري لماذا تعيد الى الذهن ما فعلته هجمات التتار على الشرق العربي في القرن الثالث عشر خاصة عندما دخلت جحافل التتار الى بغداد وقتلت الخليفة العباسي المستعصم، وساعد على تأكيد هذا التذكر الذي يثير قدرا كبيرا من المخاوف ما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مؤخرا من تحذير الحكومة الأميركية من مغبة ضرب العراق والآثار المترتبة على اجتياح الأراضي العراقية ومحاولة الوصول الى بغداد وهي واحدة من أعرق عواصم الشرق العربي مما يؤكد أننا بالفعل أمام هجمة تتارية جديدة!! على أي حال وشهد شاهد من أهلها.. تشير الصحيفة الى أن التراث الانساني الموجود في العراق مهدد بخطر جسيم، ففي حال توجيه ضربات عسكرية غير محددة الهدف للأراضي العراقية فإن المواقع التاريخية والدينية ستتعرض للتدمير.. وهو أمر جد خطير!! إن العراق هو أحد مراكز الحضارات القديمة التي عرفها العالم وفيها حدائق بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع، وقد نشأت على أرض العراق علوم الكتابة والحساب والفلك وتمت على أرضه التجارب العلمية الأولى للبشرية، ويعتقد العديد من الباحثين أن اختراع الزجاج هو عراقي الأصل نتيجة لواحدة من هذه التجارب. وليس من باب المبالغة القول ان العراق يعد مركزا محوريا للتاريخ والثقافة الاسلامية وكانت سامراء بمساجدها وقصورها الرائعة قلب العالم الاسلامي، كما بها مدن مثل كربلاء والنجف الأشرف التي تحمل قدسية دينية لملايين البشر. والسؤال الذي تطرحه الصحيفة الأميركية: ماذا اذا تعرضت مثل هذه المدن والمواقع التاريخية والدينية للتدمير؟! إن فرضية تعرض التراث الانساني والديني في العراق لخطر التدمير أمر وارد إذا ما بدأت عمليات الغزو، وهنا فإن الولايات المتحدة سوف ترتكب جرائم في حق الانسانية لن تغتفر!! ولا أتصور أن تتار بوش يختلف كثيرا عن تتار جنكيز خان وهولاكو فالسيناريو يكاد يتكرر في القرن الحادي والعشرين، رغم أن التتار القديم كان يمثل شعوبا همجية غير متحضرة لا تمتلك مايزعم التتار الحديث من قيم ومبادئ أهمها الديمقراطية ومن علوم وتقنية أهمها سلاح الإبادة والتدمير. والمفارقة الغريبة أن تتار العصر يستخدم هذا السلاح بغطاء من المبادئ والقيم وهنا الطامة الكبرى لأن هناك من ينساق وراءه دون أن ينظر أبعد من مواقع قدميه ويغض الطرف عن الخطر القادم اليوم من الغرب!! لقد حان الوقت كي يستشعر العرب والمسلمون قوتهم ويدركوا أنه بهذه القوة يمكنهم أن يضعوا خطوطا حمراء لقوى الغزو حتى ولو كانت الولايات المتحدة. ـ كاتب واعلامي مصري