الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 ما حدث ويحدث في الأرجنتين خلال العام الأخير لم يعد يناقشه أحد على انه أزمة اقتصادية طبيعية من تلك التي تحدث في كل اقتصاد كجزء من الدورة الطبيعية لرأس المال، أو حتى أزمة طالت بسبب دور بعض مؤسسات خارجية ترى في استمرارها تحقيقا لمصلحة طرف ما، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن يحركهما من وراء الستار أحيانا، وبشكل مكشوف في أحيان أخرى. مع تعاون القوى الداخلية المتسببة في هذه الأزمة أصلا بوعيها بمصالحها الطبقية الخاصة، التي تقدمها على مصالح الطبقات الأخرى دون وعي بأن مصلحة الطبقات الأدنى في استمرارها قادرة على الإبقاء على قدراتها الشرائية يعتبر أساسا لتحقيق مزيد من المكاسب الاقتصادية للطبقة المالكة للمؤسسات، وأن أيا من طبقات المجتمع تصب مصالحها الخاصة دائما في المصالح الوطنية، لذلك تحول الوضع هناك إلى أكثر من أزمة اقتصادية أو سياسية، أصبح يتعامل معه البعض على أنها قضية «نفسية»، أو حالة كما يطلق عليها الأطباء وعلماء هذه النوعية من الطب . كل هذا الاختلاط والخلط الذي حول بلدا كان يعتبر أحد القوى الاقتصادية العشر الأولى على مستوى العالم، وأكبر بلد مصدر للغلال واللحوم، وواحدا من البلدان التي كان لها ان تلعب مستقبليا دورا مهما لتكون على رأس دول العالم في مواجهة نقص الغذاء المتزايد، يتحول إلى مجرد صندوق «قمامة»، يتلقى ما تجود به البلاد الأخرى من متقدمة ومتأخرة من بقاياها لتحافظ على شريحة كبيرة من أهله على قيد الحياة فقط، مع وجود شرط خاص ومجحف، هو أن يقدم الشعب المتلقي للإحسان شكره لمن يحسنون إليه بطريقة مذلة ومهينة للكرامة الإنسانية، وهو شرط لا يخلو من سخرية، بل أنها أصبحت محل سخرية من أنيط بهم مسألة البحث عن حل عاجل للمشاكل الاقتصادية الملحة، فإذا بهم يعجزون عن فهم الأوضاع التي آلت إليها البلاد، بل ويعجزون اكثر عن تقبل الأسباب التي أدت إليه. تشخيص مختلف هذا الوضع الحرج أدى إلى أن تدخل فئة جديدة في ساحة البحث عن حل لأزمة الأرجنتين بعد أن دخلت الحالة إلى مرحلة حاسمة، فقد أخلى المختصون في الأرقام الباردة والعلوم الاقتصادية مكانهم على طاولة تشريح هذه الحالة لمعرفة أسباب استمرار تدهورها، وتركوا هذه المرة الطريق مفتوحا أمام الأطباء النفسيين، وهم في الأرجنتين كثر، وكانت تصدر البلاد منهم الكثير إلى بلاد العالم الأخرى قبل الأزمة، ولا يزال كثير منهم يجوبون أوروبا بحثا عن مكان لهم، للبحث في حل هذه الأزمة الوطنية الحادة والمستعصية على التشخيص، وبالتالي تفتقد إلى معرفة وثيقة تسهل التشخيص ووصف العلاج، أولا على المستوى الفردي وبعدها على المستوى الجمعي، فتناقلوا «الحالة» على أنها ليست نتيجة أزمة اقتصادية بل نتيجة تعقيد تركيبة هذا المجتمع نفسيا واجتماعيا. طبقا للواقع الذي لا يمكن أن ينكره أحد، فان المجتمع الأرجنتيني مكون في أساسه من خليط معظمه من أصول أوروبية، وقلة منه تعود لأصول غير أوروبية: أفريقية أو آسيوية، ولكن تشخيص حالته النفسية يكشف عن تعقيد فكر هذا المجتمع بأكثر من عدد الأعراق التي ينتمي إليها، مما أدى إلى استحكام الأزمة والفشل في مواجهتها نظرا لتعدد تشخيصاتها التي يلعب فيها العامل النفسي دورا أساسيا. طبقا للتشخيص الطبي المحض، وبعيدا عن أي تأثيرات سواء انتماء المشخصين للمجتمع نفسه، فان أحد أطباء علم النفس وصف مجتمع بلاده الذي يعيش فيه بحالة فرد على وشك الموت، وحانت لحظة كتابة وصيته، فكان أن أوصى بقلبه لطفل مريض بولاية تينسي، وأوصى بقرنية عينيه لعاملة بمكتبة بولاية اتلانتا الاميركية، ورئتيه لعداء من شيكاغو، فيما أوصى بكليتيه لتاجر من اوكلاهوما، أما ملابسه الداخلية والخارجية فقد رأى انه ليس هناك من يستحق التبرع له بها. يسوق الطبيب النفسي الأرجنتيني هذا المثال ليؤكد مدى تعقيد المزيج البشري الذي يتكون منه شعبه: فهو جغرافيا ينتمي إلى اميركا اللاتينية والعالم الجديد، فيما ينتمي ثقافيا إلى أوروبا، وينتمي اجتماعيا إلى آسيا، وينتمي سياسيا واقتصاديا إلى أفريقيا، لذلك فهناك في بلاد الميت الموصي بالتبرع ببقايا جسده من الفقراء بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة الملايين من يستحقون تلقي ملابسه وآخر حاجياته، كنوع من الصدقة الجارية التي ربما تكون اكثر نفعا له في الآخرة بعد ان فقد الأمل في الاستمرار حيا في الدنيا بعد تدهور حالته بسبب نقص الدواء في صيدليات بلاده، المطلوبة لاستمرار عمل المستشفيات هناك. ويرى الطبيب النفسي من خلال هذا التحليل رفض الأرجنتيني تقبل الأمر الواقع، والتعامل مع مشاكله بواقعية، لأنه قد يعني بالنسبة له التخلي عن انتمائه الثقافي الأوروبي لمواجهة أزمة اقتصادية على الطريقة الأفريقية، لأنه ببساطة يعتقد أن انتماء أصوله الثقافية إلى أوروبا يمنعه من السقوط في هاوية مثل هذه الأزمة، فيكون التعامل على الطريقة الأوروبية مع هذه الأزمة نوعا من عدم رؤية أصولها الحقيقية، وبالتالي يفقد الطريق إلى حلها. وفي رأيهم أن هذا الوضع كان وراء اهتمام السياسيين في الأرجنتين بالاتجاه الى الدول الغربية والولايات المتحدة بحثا عن حل لهذه الأزمة، باعتبار أن تلك الدول لن تقبل انهيار مكانة دولة يتمتع فيها العرق الابيض بالانتماء إليها، وبوجود لا يقل تأثيرا عن وجود هذا الجنس في أي دولة من الدول الأوروبية، بل وفي الولايات المتحدة نفسها. لكن مع البوادر الأولى لتلك الأزمة حدث أن هذا التطلع باتجاه الغرب لم يكن سوى السراب بعينه، فالدول الغربية كانت قد خططت قبل فترة بتحويل الأرجنتين إلى بلد غريب، ينتمي إلى عدد من الدول تم تحديد دورها في الاقتصاد العالمي لتكون سلة «قمامة»، سواء كان ذلك على المستوى الحرفي لتلك الكلمة، باستخدام أراضى البلاد كمقبرة للنفايات الصناعية غيرالمرغوب فيها من جانب الشعوب الأوروبية الغربية، على الرغم من أنها بقايا المواد الخام المستخدمة في صنع الأدوات الاستهلاكية الموفرة للرفاهية لدى المجتمع الأوروبي، أو كسلة قمامة للمنتجات التي لا تصلح للمجتمعات المرفهة ويمثل إنتاجها عبئا عليها. ومن ناحية أخرى ومع التوسع في النشاط الصناعي والتجاري في العالم المتقدم تطبيقا لنظام عولمة رأس المال، كان يجب توسيع دائرة الأسواق المطلوب تصريف تلك المنتجات فيها، وكانت الأرجنتين، بحجمها الجغرافي والديموغرافي ونفوذها في منطقة جنوب اميركا اللاتينية، واحدة من الدول الجديدة التي تقرر ضمها لتشكل جزءا من هذه السوق، سواء بقبولها لعب هذا الدور، أو إجبارها عليه إن هي ركبت رأسها وقاومت من خلال تشكيل منطقتها التجارية الخاصة، مثلما فعلت مع البرازيل بتكوين «ميركوسور». سوق القمامة بعد أن تم مسح اسم الأرجنتين من على خريطة الاقتصاد المرشح للنمو، ظهر بين الدول المتلقية للمساعدات، باسم التعاون الدولي لمساعدة الدول التي تتعرض للأزمات والكوارث من منظور غربي، ولكن أي مساعدات: أدوية ومواد غذائية زائدة عن حاجة المجتمعات الغربية، ليس لأن تلك المجتمعات أرادت أن تساهم حقيقة في تخفيف وقع أقدام العولمة التي بدأت تزحف في كل مكان، بل لأن تلك المنتجات انتهت مدة صلاحيتها وأصبحت عبئا على المجتمعات الأوروبية باعتبارها تمثل مصروفات زائدة لحاجة الشركات المنتجة: من أجور التخزين الصحي، وأيضا تكاليف التخلص من تلك المواد بحرقها، أو خوفا من تلويث البيئة الأوروبية والاميركية الشمالية لو تم إحراق تلك المخلفات بها. لذلك كان الحل الأمثل هو التخلص منها بإرسالها إلى البلاد التي تعيش أزمة مواد غذائية، والأرجنتين إحداها، باسم الرحمة ومساعدة الآخر دون إشارة إلى خطورة استهلاك هذه المعونة أو تأثيرها الضار على الصحة العامة، لأن الضرر في هذه الحالة سيولد مزيدا من المكاسب للمنتج الغربي، لأنه يفتح الطريق أمام مكاسب أخرى في قطاعات جديدة في حاجة إلى تسويق منتجاتها، وبالتالي فهي في حاجة إلى مزيد من المرضى لتسويق منتجات قطاع الأدوية والكيماويات. القمامة الأوروبية والاميركية التي بدأت تصل إلى الأرجنتين، في ظل التركيبة النفسية المعقدة للمجتمع الأرجنتيني بكافة طبقاته، بدلا من النظر إليها باعتبارها مساعدة مؤقتة، قامت الطبقة القادرة فيه على مزاحمة الباحثين في تلك القمامة على ما يسد رمقها، أو يعافي صحتها العليلة، وتحول رجال الصناعة من البحث بعقلية المنتج بحثا عن طريقة لدعم اقتصاد بلاده للخروج من الأزمة إلى البحث في تحويل تلك القمامة لتكون جزءا من دورة رأس المال نفسه، وبذلك تلويث ما تبقى من شركات منتجة باستخدامها في إنتاج مزيد من القمامة، وهو ما اعتبره الأطباء النفسيون في الأرجنتين قمة الإذلال للمجتمع. الأطرف من كل هذا أن الأطباء النفسيين يرون أن رجال السياسة في الأحزاب السياسية الأرجنتينية المسئولة مسئولية كاملة عما حدث حتى الآن، بدلا من تبين دورهم في الأزمة والاعتراف بالأخطاء، والعمل على إصلاح تلك الأخطاء أو ترك المجال لمن هم افضل منهم للمساعدة في إخراج البلاد من الأزمة في أسرع وقت، تحالفوا مع مصدري القمامة من الخارج ومع مستورديها من الداخل، لاستخدامها كمسكن يبعد عنهم شبح الثورة الدموية التي لا تبقي ولا تذر. من هنا كانت المأساة التي بدأ الأطباء النفسيون يحذرون منها، وهي أن الحالة أصبح ميئوسا منها، مع توقع المزيد من الغرق الذي يؤدي في النهاية إلى تحويل البلاد وبشكل نهائي إلى مجتمع يعود إلى انتماءاته الأولى، أي الحرب الدموية بين جميع الأعراق التي سيتهم بعضها البعض بمسئوليتهم عن الانهيار التام. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا