الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 «الأمثال» عالم من أطرف عوالم لغتنا الجميلة، وكل اللغات الاخرى، وأغناها بنوادر المعارف والمعاني والحكم والعبر، فهي الجنى المصفى للخبرة والتجربة الانسانية في المجتمع مع الكائنات الحية من البشر والحيوان والنبات، ومع جمادات الطبيعة وظواهرها. وهي فوق ذلك كله آيات محكمات البناء من جمال البلاغة، والايجاز الجامع، او كما يقال: «مما قل ودل». لهذا، فإن الامثال تعد من العناصر الاساسية للحصيلة الثقافية واللغوية، التي تميز المرء من اقرانه، وتعرف بثقافة اللسان. ولعل هذا ايضاً ما جعلها تحظى بمكانة جليلة من التقدير، وبنصيب وافر من التراث المأثور، بل اننا لا نبتعد عن الصدق اذا قلنا: «الامثال ديوان العرب»، او «الامثال حكمة العرب»، تماما كما نقول حقا: «الشعر ديوان العرب». ولقد لفت خواطري ـ اثناء بعض قراءاتي ـ ان هناك حشدا من الامثال، يقترب من مائة وخمسين مثلا، مستلهما من الطير بعامة، او من طائر بعينه، كالنسر والعقاب، والبازي، والغراب، والقطاة، والحبارى، والحمامة، والبومة، والنعامة، والدجاجة، والديك، والعصفور والبلبل، والنورس... الخ، وكلها امثال تدل على دقة ملاحظة، ونفاذ بصيرة، وعمق خبرة، وبلاغة تعبير. و«الطائر» في اللغة اسم لما يطير في الهواء بجناحيه، أو لما له جناحان من ريش. وجمعه: طيور، واطيار وطير. ولفظ الطير اسم جمع، وقد يطلق على الواحد. والفعل «طار يطير طيرانا» يستعمل بمعان عدة. نقول: «طار الطائر»، اي ارتفع بجناحيه في الجو. ونقول: «طار فلان» إلى الخارج، اي سافر بالطائرة. ونقول: «طار إلى كذا»، اي اسرع اليه. ونقول: «طار صوابه أو عقله»، أي جن أو غضب غضبا شديدا. ونقول: «طار صيته»، أي انتشر وذاع. ونقول: «طار فرحا»، اي فرح كثيرا. ونقول: «طارت نفسه شعاعا»، اي اضطرب. ونقول: «طار النوم من عينيه»، اي زال نعاسه. ولفظ «الطائر» يستعمل في معان مجازية وبلاغية كثيرة، فيقال مثلا: «طار طائر فلان». بمعنى غضب كثيرا، أو اسرع، أو خف، وضد ذلك «وقع طائر فلان» اذا كان وقورا. ويقال: «هو ميمون الطائر»، اي مبارك الطلعة. ويقال: «على الطائر الميمون» بمعنى اتمنى لك سفرا مباركا. ويقال: «هو ساكن الطائر»، اي حليم هاديء وقور. كذلك تتعدد استعمالات لفظ «الطير». فيقال في الامثال: «كأن على رؤوسهم الطير»، اي هم ساكنون هيبة. وأصل المثل ان الغراب يقع على رأس البعير فيلقط منه القراد، فلا يتحرك البعير لئلا ينفر عنه الغراب. ويقال: «ازجر احناء طيرك»، اي جوانب خفتك وطيشك. ويقال: «الطير بالطير يصطاد»، ومثله قولهم: «الطيور على أشكالها تقع» أو «الطيور على ألافها تقع»، ويضربان للتعبير عن ميل الاشباه إلى الاشباه في الخير أو الشر على السواء. ومن بليغ الحكمة قولهم في عدم دوام الحال: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع ومن التعابير الادبية المشهورة قول الشاعر: كالطير يرقص مذبوحا من الألم ومن بديع الشعر ايضاً قول أسامة بن منقذ تعزية في حبس: حبسوك والطير النواطق إنما حبست لميزتها على الأنداد ما الحبس دار مهانة لذوي العلا لكنه كالغيل للآساد وفي الحث على الكرم والتعبير عن فضل الكرم في كسب محبة الناس واقبالهم، يقال: «يسقط الطير حيث يلتقط الحب»، أو كما يقول بشار بن برد: يسقط الطير حيث ينتثر الحب وتغشى منازل الكرماء أما أبو نواس، فيقول في حكمة لا تخلو من لؤم وظرف: لا أذود الطير عن شجر قد عرفت المر من ثمره خاب من يسري إلى بلد غير معلوم مدى سفره ويتوج كل ذلك تصوير الحديث الشريف لرقة قلوب الطير وحسن توكلها بقوله: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير»، وقوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». وقول التنزيل العزيز: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم».