الجمعة 9 شوال 1423 هـ الموافق 13 ديسمبر 2002 في خضم ما يسمى بالحرب ضد «الارهاب» توهم بعض الحكومات نفسها ـ أو تتوهم عمدا ـ انها في خطر ان استجابت لدعوات الوئام الداخلي او المصالحة الوطنية، فرغم ما في تلك المصالحة من فك للاحتقان السياسي والاجتماعي ورص الصفوف ضد الخطر الخارجي، الا ان حسبة هذه الحكومات تقودها إلى التحالف مع الولايات المتحدة ضد ما تتوهم انه خطر داخلي، مضحية في كثير من الاحيان بالمصالح الوطنية لحساب المصالح الاميركية. وبفعل هذه الرؤية المحدودة او القاصرة تسقط كثير من الحكومات في فخ لعبة الاختراق الاميركي للداخل العربي. فكثير من الحكومات تتصور انها عبر الانحياز للسياسات الاميركية ـ ولو ادت هذه السياسات إلى تصفية مواطنين هم في نظر القانون ابرياء ـ يمكنها التمتع بامتيازات الصديق او الحليف، مثل تدفق المعونات الاقتصادية والعسكرية والاستناد إلى المظلة السياسية الاميركية في كثير من المواقف والمحافل الدولية. وهذا قد يحدث بالفعل، فالولايات المتحدة ترحب كثيرا بهذه النوعية من الحكومات فتغدق عليها ـ في مراحل معينة ـ كل اشكال الدعم، وتزودها بكل اشكال البقاء بما في ذلك كل وسائل الاستقواء على شعبها، فلا مانع لدى واشنطن من مد مثل هذه الحكومات بأدوات التعذيب والقهر، ولا مانع من ان تتولى معها محاربة معارضيها وتصفية الفصائل المناوئة لها، كي تتمكن هذه الحكومات ـ في النهاية ـ من فرض قبضتها الحديدية على الجميع. ولكن سرعان ما تزول كل هذه الحميمية اذا استنفدت الولايات المتحدة أغراضها من هذه الحكومة او من هذه الحكومات، وقد ينقلب كل شيء في لحظة ما اذا ما انحرف التابع عما يريده المتبوع. وعندئذ تبدأ الولايات المتحدة في تجميع خصوم الحكومة والتحالف معهم، فيمسي حليف الامس «ارهابيا» وهو الذي كان يحارب معها هذا «الارهاب» قبل ايام او ربما اسابيع. كل شيء ممكن في قاموس السياسة الاميركية.. فالمهم هو المصالح الاميركية على حساب كل شيء واي شيء.. وعادة ما تكون هذه المصالح متعارضة تماما مع المصالح الوطنية لأي امة او شعب يبحث عن حريته وكرامته وصون حقوقه. والولايات المتحدة التي ترفع الآن شعار «دمقرطة» العالم العربي ترفعه كحيلة جديدة لارعاب وارهاب الحكومات خصوصا تلك التي احترفت الابتعاد عن شعوبها، ومن ثم فالبديل الافضل لهذه الحكومات هو الاستجابة للمطالب الوطنية باجراء مصالحات داخلية تنبع من تراب الوطن ومن اجل صون استقلال وسيادة هذا التراب. وقبله حفظ كرامة الانسان العربي في موطنه. اما اذا استمرت الحكومات على تعنتها واصرارها على سياساتها الخرقاء التي تؤدي بالضرورة إلى نفور عام، فإن المستقبل العربي برمته في خطر داهم ليس فقط بفعل المخاصمات والتناحرات الداخلية، وانما لأن هذه التناحرات سوف تجلب معها التدخل الخارجي. ولو افترضنا ان فصيلا سياسيا ما مناوئا لحكومة ما، لجأ إلى عمل يهدد العلاقة بين حكومته وبين الولايات المتحدة الاميركية او غيرها من الدول، وذلك بقصد الضغط على الحكومة، فإن هذا العمل سيهدد اولا المصالح الوطنية وليس الحكومة فقط، ولاشك ان امثال هذه النوعية كثيرون في وطننا العربي، ومن هؤلاء من قد يفعل ذلك عن وعي. فقد ادرك خصوم بعض الحكومات ان افتقادها للمشروعية الشعبية جعلها رهينة للمشروعية الاميركية، ومن ثم فإن العبث في هذه المنطقة كفيل بنسف هذه المشروعية من جذورها نسفا تاماً. وفي ذات السياق اذا افترضنا ايضاً ان حكومة ما ـ من تلك الحكومات التي تستمد مشروعيتها من قدرتها على حماية المصالح الاميركية او الحفاظ عليها ـ عجزت بفعل تحرشات القوى المناوئة لها داخليا عن حماية المصالح الاميركية في بلادها أو ان هذه المصالح باتت مهددة، فإن أول ما ستفعله الولايات المتحدة هو التخلي عن هذه الحكومة وتحاول دفعها للرحيل، فأن لم تستجب للرحيل ـ وهي لن تستجيب ـ فإن مصالح الدولة بأكملها شعبا وحكومة ستكون في خطر، وربما يتكرر معها نفس السيناريو الجاري الآن مع العراق أو السودان. ان الولايات المتحدة تدرك هذه المعادلة جيدا، وفي اطار التخويف من هذا المصير، وامعانا في استنزاف وابتزاز العرب، فإنها تمسك بورقة «الارهاب» في يمناها، وبورقة «الدمقرطة» في يسراها. اما الحكومات التي ترفض التعامل بوعي مع المتغيرات فإنها تنساق وراء هذه المخاوف وتتعمد التوسع في سياسة القبضة الامنية إلى ابعد مدى، ظنا منها ان هذا هو الاسلم لها فتكون النتيجة المزيد من السخط الشعبي الذي يجعل الامة برمتها تسقط في الفخ الاميركي المعد سلفا بهدف الاجهاز على الجميع دون تفرقة بين حكومات او شعوب.