الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 برغم انه اليوم الاول الذي استقر فيه على مكتبي وامارس عملي المعتاد، الا ان امس كان حافلاً جداً .. لكن الملاحظة التي صدمتني هي في مقدار اليأس الذي تضاعف كثيرا في لهجة الكثيرين ممن تحدثت اليهم، او استمعت محادثاتهم الهاتفية او قرأت رسائلهم عبر البريد الالكتروني. وأعلم بأن كل الظروف المحيطة بنا تدفعنا الى خانة اليأس ساحبة آخر أرصدتنا ومخزوننا من الصبر والأمل والتفاؤل، لكنني اعلم أيضا بأن الخروج من حلقات الضيق لا يكون بقذف النفس في محرقة اليأس، واعلم كما يعلم غيري بأن اسطورة طائر الفينيق عربية المنشأ والمبنى .. وبأننا أمة شعارها النهوض من الموت والرماد معلنة حضورها وتألقها في كل مرة يراهن فيها الجميع على أنها ستنتهي الى الابد. نحن خير أمة اخرجت للناس، وأجمل أمة والخير كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فينا الى يوم الدين، وكل التاريخ يقول ذلك، فمنذ آلاف السنين ونحن نموت ونحيا ونعود اقوى وأجمل .. مشكلتنا أننا ننسى، ننسى أكثر مما يجب، ونتهاون في حقنا اكثر مما نستحق. على مدى ثلاثة أيام جاءتني مجموعة رسائل من اخوة واخوات عراقيات يسألونني فيه هذا السؤال هل انت اماراتية ام عراقية؟ وما هي جنسيتك بالضبط؟ لقد جاءت هذه الاسئلة تعليقا على مقال الاثنين 9 ديسمبر الماضي. وكان ردي مختصراً كالتالي: «انا عربية الهوى والانتماء، اماراتية المولد والموطن حتى النخاع، وعراقية التعاطف والمحبة والاخوة» فجاءني الرد جميلا وحزينا ايضا في اليوم التالي. الرد جاء من قبل مجموعة من الاخوة العراقيين في الخارج يتحدثون عن معاناتهم التي بدأت منذ ثلاثين عاما، شهدوا خلالها انهيار العراق وخرابه بين حروب عبثية، وانتصارات وهمية، ثم جاءت صاعقة احتلال الكويت لتزيد ملف الاحزان والدمار، لكن شرفاء العراق واصلوا صمودهم وراهنوا على حرية نفوسهم وعظمتها .. وقديما قال الشاعر: اذا كانت النفوس عظاما تعبت في مرادها الاجسام فحرم العراقيون من الكثير، وحرموا هم على انفسهم الكثير، وبدأوا رحلة التيه والهجرة بعد ان ايقنوا انهم سبي بابل الجدد! وبعد قراءتي لهذه الرسالة مباشرة جاءني صوت احد الاخوة يقول مباشرة (لا شيء يدعو للتفاؤل يا سيدتي انا يائس، وما من قوة يمكن ان تعيد ايماني بجماليات الحياة وجدوى التفاؤل) حدثته عن طائر الفينيق، وعن رسالة صغيرة حملها البريد الي من ارض الكنانة خطتها انامل صغيرة في مدرسة ثانوية للبنات (مدرسة مبارك الثانوية ـ اسيوط ـ مصر)، كان فيها شيء من الاعجاب وكثير من ملامح الامل. فيما بعد وأنا أتأمل حال اليائسين، لمعت في خاطري فكرة تأسيس رابطة تحمل اسم (متفائلون بلا حدود) على غرار (اطباء بلا حدود) و (صحفيون بلا حدود)، وعلى غرار تلك الروابط والاندية التي يؤسسها الالمان لتعلم الضحك! فنحن بحق محتاجون للأمل والتفاؤل اكثر من حاجتنا لجمعيات اخرى موجودة لكنه الوجود الذي يشبه العدم، نحن محتاجون لتعلم فن الأمل والتفاؤل وفي هذه المرحلة بالذات لأنه سلاحنا الوحيد للصمود والبقاء والمقاومة والحياة .. فما أضيق العيش لولا فسحة الامل.