الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 عندما قدم نفسه لي لأول مرة وكنا في احدى الندوات، عاملته باحترام كبير.. فهو سفير سابق ومؤلف لعدد من الكتب وزميل لي في هذه الجمعية التي تضم عناصر ممتازة، وان كان فيها قلة من أمثالي . واعتبرني سعادة السفير (السابق) صديقا فأخذ يكلمني في التلفون. ولم يستغرق الأمر طويلا لأدرك أنه شخص آخر غير الذي توهمته وأنه مجرد شخص طيب القلب ساذج وسخر أصحابي من احترامي له .ورأيتهم يلعبون به ويضحكون دون أن ينتبه لذلك. وكان المشروع المهم في حياة سعادة السفير (السابق) حفلة يقيمها في شهر ديسمبر من كل عام، ويدعو لها الجميع . والمناسبة غير محددة، ولا يعرف أحد كنهها .وأن خمنت أنها عيد ميلاده، وأنه لا يريد اعلان هذا حتى لا يقدم الحاضرون له الهدايا . وكان يقود الدعوات كما لو كان يقود الحرب العالمية. فهو يتصل قبل الموعد بشهر بالتمام والكمال ليحدد الموعد حتى لا يرتبط أحد، ولا يسافر ويشرح المكان الذي سيتم فيه اللقاء، وذات مرة أرسل لي خريطة على الفاكس وعندما يغير المكان يقدم المبررات فهذا المطعم كان طعامه أقل من المستوى، وهذا الضجة فيه عالية فلا تسمح بتبادل الحديث ثم يسأل عن أرقام تلفونات فلان وفلان. وبمناسبة أرقام التلفونات كنا في الجمعية عندما أخبرنا أنه دعا فلانة وهي شخصية مهمة، فالجمعية بها شخصيات مهمة كما أشرت في البداية، ثم سألنا ان كنا نعرف رقم تلفون فلان فسارع أحد السفهاء ـ وحتى بين الشخصيات المهمة سفهاء ـ وقال اننا لا نعرف الرقم ولكن فلانة المهمة بالتأكيد تعرفه واندفع السفير (السابق) الى فلانه ليسألها .ونحن نتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعنا، فلقد كانت السيدة المهمة مطلقة من الشخص الذي سأل عنه، وكانت بينهما خلافات معروفة للجميع . ومثلما يحدث في اطلاق الصواريخ الى الفضاء كان يتكلم في كل يوم حتى يجعل حياتي جحيما .وكان يقدم المعلومات في كل مرة: فلان اعتذر لسفره، وفلان سيأتي .واذا أصبحت الليلة الموعودة على الأبواب طلب منك أن تصحبه فلانا وأنت آت الى الحفلة . حدث هذا منذ نحو خمسة عشر عاما، ومع ذلك فلم أذهب ولا مرة واحدة، وعلى غير عادتي لم أعتذر، ليس هذا فحسب بل لم أعرف أن أحدا ذهب اليه . وبعد كل حفلة يحدثني يلومني على أنني لم أحضر، ويشكو لي فلانا أو فلانا لأنه لم يحضر رغم وعوده .وفي المرة الأولى كنت في شدة الخجل، أما في المرات التالية فكنت أشاركه لوم من لم يأتوا رغم قبولهم الدعوة، معتذرا بأنني من برج القوس، ومواليد هذا البرج يعدون بحماس لكنهم ينسون وعودهم وعارضني الرجل بشدة، وأكد لي أنك لن تجد ملتزما مثل مواليد برج القوس، وهكذا أدركت أن الرجل يدعونا الى عيد ميلاده . ورغم أن سعادة السفير (السابق) تحول الى لعبة الا أنني خجلت عندما دعاني للمرة الخامسة عشرة، وبحماس شديد وعدته بالحضور، واعتذرت له عن تقصيري السابق، كنت مخلصا جدا . وكنت أحس أننا أهنا الرجل، وأنه عليّ أن أعيد له الاعتبار . وكان رد الفعل غريبا جدا وبالتأكيد هو الذي دفعني الى كتابة ما أكتبه الآن فلم أكن أتخيل سعادة السفير (السابق) موضوعا لحديث. لما قلت له بحماس أنه يشرفني أن أحضر وأنني سأكون حريصا هذه المرة على ألا يشغلني شيئا، اذا بلهجة السفير الدبلوماسية تسقط في بئر عميقة، ويحتد قائلا انه عليّ أن أحضر هذه المرة فمن العيب أن يدعوني المرة بعد المرة وأنا لا ألبي دعوته وتعالى الغضب في صوته: اذا لم تحضر سيكون لنا حساب آخر! وأدهشتني المفاجأة فلم أستطع النطق واستمر في حديثه القاسي ثم أغلق التلفون دون مقدمات . كان غريبا أن ينقلب سلوك السفير ( السابق ) بعد خمسة عشر عاما، وبمجرد أنه بدا عليّ الخجل من تكرار الدعوة دون تلبيتها وشغلني هذا السلوك فترة حتى أتى الموعد، ولم أذهب ولا أحد ذهب. وبعدها بأيام جاءني صوته في التلفون حادا : لماذا لم تأت ؟ سألته ببرود: آتي الى أين ؟ .. فحدد المكان حيث كانت الدعوة . سألت: من الذي يتكلم قال ساخطا : ألا تعرف صوتي ؟ أعتذرت بأنني لا أعرفه . قال: أنا السفير فلان . رحبت به ببرود في كلمتين وطلبت منه الانتظار لحظة وعدت الى التلفون لأطلب منه الانتظار لحظة أخرى . ثم عدت اليه، فإذا بالصوت القديم المستكين يعود يشكو لي أنه لم يأت أحد من المدعوين دون اعتذار وأن موقفه كان حرجا أمام المدام، والأسوأ أمام الجرسونات! التحولات التي حدثت في لغة الحوار ودرجات الصوت شغلتني ليل نهار . وتذكرت قصة من «ألف ليلة» هذا العملاق الذي أسر البحارة وكان يأكل كل ليلة منهم واحدا وعندما يأتي لينتقي ضحيته يبكون ويتوسلون ويرجونه ألا يفعل، ولكن العملاق يزداد ضخامة وعنفا، بل تعلو قامته في السماء . ورأى أحد البحارة أن مصيرهم محتوم، ومن لن يموت اليوم سيموت غدا أو بعد غد.. وأن العملاق لا يعرف الرحمة، وأنه لا يستحق أن يمتهنوا أنفسهم أمامه، فسبه بكل ما يعرف من كلمات وصدم العملاق .ثم ذعر . ثم أخذ يتضاءل وهو يتوسل ألا يسبه أحد ليكتشفوا أن اذلالهم وتوسلهم كان الغذاء الحقيقي للعملاق . وبعض البلطجية في مصر المحروسة يعرفون هذه الحقيقة، يأخذهم العسكر الى مركز الشرطة وفي هذا المركز مئة عسكري من الأشداء غالبا معهم مئة بندقية وربما بينها رشاشات، وهم بالتأكيد مدربون على بعض فنون القتال ومع ذلك يبدأ البلطجي الممصوص يقف أمام كل هذا ويمزق قميصه معلنا التحدي .، وقد يضرب رأسه في الحائط، أو يمزق صدره بشفره حلاقة، وينزف دمه . وفي معظم الاحوال يكسب البلطجي الموقف على الأقل يعاملونه باحترام فهو ليس فريسة سهلة ومن يمزق جسده من الممكن أن يمزق جسد أحدهم، وكل انسان يخاف على نفسه . وأظن أن هذا الحديث كله الذي يبدو للوهله الأولى مجرد حديث ينطبق على ما نعيشه هذه الأيام . فهناك عملاق أحمق قرر أن يأكلنا جميعا الواحد تلو الأخر لكننا نقنع أنفسنا بأنه سيأكل الجميع ماعدانا والذكي يقول أن هذا سيحدث غدا واليوم خمر وغدا أمر .والجميع يهمسون لأنفسهم داروا سفهاءكم! ولكن العملاق الأحمق ليس من سفهائنا وتنفجر موجات صوتية تعظم من العملاق فيزداد عظمة وقوة وعنفا . ويبدأ يدوس علينا الواحد تلو الآخر .ويلعب كل منا دور «يهوذا» لينجو بنفسه،وليس لديه دليل واحد على أن «يهوذا» سينجو. لقد بعنا كل شيء لنلقي به بين قدمي العملاق لكنه يقف عليه فيبدو أكبر وأقوى. لماذا لا نفكر في استخدام كلمة بلطجية مصر المحروسة، فاذا لم تكن تعجبكم لماذا . لا نستخدم كلمة كوبا المحروسة؟!