الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 قال قس اميركي، وهو احد منظمي المظاهرات التي خرجت في المدن الاميركية الشهر الماضي لمعارضة الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق: بالامس بدأنا متأخرين، فالجماهير الاميركية لم تخرج الى الشارع عند اواخر الستينيات لمناهضة الحرب الاميركية الدائرة في فيتنام الا بعد ثلاث سنوات من بدايتها، الان نصحح الخطأ. فالاحتجاجات تجاه الحرب المحتملة ضد العراق بدأت حتى قبل ان تبدأ الحرب. لكن اشتعال الجبهة الداخلية في الولايات المتحدة ليس العنصر الاوحد الذي ينبغي ان يأخذه الرئيس بوش في الحساب في بلورة قراره النهائى بشأن العراق، وفي تقدير كثير من المعلقين السياسيين الاميركيين فان قرارا بشن حرب شاملة ضد العراق ربما يكون قد وضع على الرف لحين اشعار اخر. ان الليلة لا تشبه البارحة والاشارة في هذا السياق ليست الى فيتنام وانما لمحطة تاريخية عمرها لا يتجاوز العام الواحد الا قليلا، ففي اعقاب احداث سبتمبر الزلزالية في نيويورك وواشنطن كان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي الشخصية المركزية في اجتماع طاريء لحلف الاطلسي، وعلى خلفية القيامة التي أفرزتها التفجيرات الاسطورية اتخذ الاجتماع قرارا بالاجماع الحماسي، وللمرة الاولى في تاريخ هذا الحلف الغربي، بتفعيل المادة الخامسة من ميثاقه التي تنص على انه في حالة وقوع اعتداء على أي دولة عضو فانه يعتبر اعتداء على كافة الدول الاعضاء. ومن ثم عاد رامسفيلد الى واشنطن لينكب على الفور لإعداد خطة اعلان حرب شاملة ضد افغانستان. وهكذا دخلت اميركا حرباً من تأليفها واخراجها وهي مطمئنة الى دعم كامل من الحلفاء الغربيين. هذا المشهد التاريخي لن يتكرر الآن بشأن الحالة العراقية.. بل ان معظم الحلفاء تحولوا الى معارضين. ولاشك ان جورج بوش بات يدرك هذه الحقيقة من خلال تجمع شواهد عملية تتعاظم يومياً لاحباط حجج فريق «الصقور» في الادارة الاميركية من امثال رامسفيلد ونائبه اليهودي فولفتز ونائب الرئيس تشيني. في الاسبوع الماضي وقع 85 من نواب البرلمان الفرنسي على عريضة تعارض بقوة أي حرب على العراق، مما يؤدي لتعزيز الموقف الرافض للحل العسكري الذي صمد عليه الرئيس شيراك. وفي المانيا كان المستشار جيرهارد شرويدر قد كسب الانتخابات بشعار معارضة شن حرب اميركية على العراق حتى لو استندت الى قرار من مجلس الامن الدولي، وعندما حاول شرويدر الاسبوع الماضي اجراء تعديل في الموقف الالماني باعلانه ان الحكومة الالمانية سوف تسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية داخل الأراضي الألمانية إذا قررت واشنطن غزو العراق، أثار حلفاؤه في السلطة من «حزب الخضر» زوبعة معارضة لم تهدأ حتى الآن. وفي نفس الأسبوع أظهر استطلاع أجراه «معهد فورسا» الألماني ان الغالبية العظمى من الشعب الألماني تعارض اي مشاركة لألمانيا في الحرب.. حيث بلغت نسبة هذه المعارضة 80 في المئة. وعلى صعيد آخر شهد الأسبوع نفسه اجتماع قمة في بكين بين الرئيسين الروسي والصيني خرجا منه ببيان مشترك تؤكد فيه كل من الدولتين معارضتها لأي محاولة لمعالجة المسألة العراقية بغير الوسائل السياسية الدبلوماسية. ولم يكن مثار دهشة ان مسئولا اميركيا هاجم فرنسا والمانيا علنا. فقد اتهم رتشارد بيرل مستشار وزارة الدفاع الأميركية هاتين الدولتين الاوروبيتين الكبيرتين «بافتقاد التوجه الأخلاقي».. وقال بصراحة «أعتقد أن أوروبا فقدت بوصلتها الاخلاقية». وإذا كانت هذه التطورات تعكس حالة المزاج الدولي قبل ان تشعل اميركا الحرب.. فكيف يكون الحال عندما تندلع الحرب فعلا؟ ان هذا السؤال سوف تجيب عنه في حينه الأحزاب والمنظمات الجماهيرية في عواصم الغرب قبل ان تنضم إليها حكوماتها في حركة احتجاجية لن يكون لها مثيل سابق. لقد رأينا ضخامة المظاهرات التي جرت خلال الشهور القلائل الأخيرة في لندن وروما وبرلين وفلورنسا ومدريد، بالاضافة الى مظاهرة المدن الأميركية. هذه المظاهرات قامت وفق ترتيبات في غاية الدقة التنظيمية تحت اشراف تحالف عالمي جديد على الصعيد الشعبي للمنظمات المناهضة للعولمة. واذا كان من المفترض ان الرئيس بوش يعكف الآن على دراسة هذه التطورات القائمة والمحتملة لبلورة قراره النهائى بشأن العراق، فان عليه ان يحسب ايضا حساب ذلك العامل الذي تتضاءل ازاءه العوامل الأخرى في حالة اندلاع الحرب: تصاعد وتائر «الارهاب العالمي» على نسق غير قابل للتصور مقدماً.