الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 شأن كل الأزمات الكبيرة أصبحت الأزمة العراقية موضوعا للمئات من استطلاعات الرأي شرقا وغربا أغرقت كل متابع لوسائل الإعلام في طوفان من الأرقام والإحصاءات ينفي بعضها بعضا، ورغم أهمية مثل هذه الوسائل لاستطلاع الرأي فإنها تظل مجرد مؤشرات بالضبط مثلها مثل صيحات الاعتراض الرسمية التي صدرت عن بعض العواصم شرقا وغربا ثم بدأت في التآكل، وباستثناء الموقف الألماني الذي يرفض - حتى الآن - الاشتراك في عمل عسكري ضد العراق ، لا تكاد توجد عاصمة دولة كبرى تقف ضد المشروع العسكري الأميركي البريطاني الذي يستهدف العراق. انتظارا للفيتو ويكاد المشهد الدولي الآن يشبه المشهد الذي سبق «عاصفة الصحراء»، فالرهان العراقي على شق الصف الغربي ظل قائما حتى بدأ القصف، والعواصم التي توقع العراق أن ترفع راية العصيان ضد الولايات المتحدة تكاد تكون هي نفسها التي ظل ينتظر منها استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن ضد القرار 1441 وللأسف الشديد لم يدرك صانع القرار العراقي أن الملف العراقي أصبح أداة للتربح السياسي في العلاقات الدولية، فلا فرنسا ولا الصين ولا روسيا كانت جادة في استخدام حق النقض لخوض معركة لمنع «عاصفة الصحراء»، ولا لرفع الحصار عن العراق رغم استمراره لأكثر من عشرة أعوام فلم يتآكل الحصار ولم يكتب الفيتو المنتظر نهايته، مع أن كلا من هذه الدول ساوم الطرفين (العراق واميركا ) ثم أدار ظهره للعراق!! وخلال الشهور القليلة الماضية التي شهدت أقصى درجات التصعيد في الملف العراقي حفلت الصحافة العربية بتحليلات تؤكد أن حلفاء الولايات المتحدة الأميركية أنفسهم لن يمنحوها تفويضا للعدوان على العراق، وكانت هذه التحليلات ترى الموقف الفرنسي دليلا قاطعا على ذلك، إضافة إلى الموقف الروسي طبعا، ورغم أن ما أدخل على الصيغة الأميركية للقرار جعل شن الحرب متوقفا على مجلس الأمن إلا أن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تحولات شديدة الأهمية تؤكد أن حالة الاعتراض التي بدت واضحة تتجه إلى التآكل، وأن الصيغة التي صدر بها القرار لم تمنح العراق شيئا بل منحت المتاجرين بالملف العراقي فرصة مساومة الولايات المتحدة مرتين!! ففي فرنسا بدأت اتجاهات الرأي العام تتغير بشكل ملحوظ، ومن يتابع الإعلام الفرنسي خلال الأشهر القليلة الماضية يتأكد من أن فرنسا ماضية في استراتيجيا قبول التخلص من النظام العراقي، فالبرامج السياسية المتلفزة والمناظرات الإذاعية والمقالات الصحافية كلها تسير في اتجاه واحد، وهو أنه لا خيار للنظام العراقي سوى تدمير سلاحه والتحول الديموقراطي الحقيقي، أو إسقاطه بقوة الفعل الداخلي أو الخارجي وطالما كان التحول الديموقراطي المطلوب مستحيلاً دون تغيير رأس النظام فلا مجال سوى العمل على إسقاطه، وبناء عليه كثرت البرامج والمناظرات والمقالات حول ما بعد صدام. تحول مزدوج وهذا التحول لم يقتصر على مطبوعات «ليبراسيون» و «الموند» و«النوفيل اوبزرفاتور» بل تعداها إلى «الفيغارو» التي تعبر عن سياسات اليمين الديغولي الحاكم، ثم الصحيفة الاقتصادية الأولى «ليزيكو» المعبرة عن مجموعات الضغط الاقتصادية، وأخيرا تبنت المراكز الاستراتيجية مثل «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» و«معهد البحوث الدولية والاستراتيجية» و «مؤسسة الدفاع الوطني» هذا الموقف وبدأت تخصص الندوات عن حتمية الحرب. وفي إطار هذه الموجة الجديدة عقدت مؤسسة البحث الاستراتيجي ندوة في النصف الثاني من نوفمبر الماضي حول العراق وكانت النغمة السائدة على لسان المشاركين، وكثير منهم خبراء متخصصون في الشأن العراقي وبعضهم شارك سابقا في فرق التفتيش ، أن نظام بغداد أعاد إنتاج أسلحة دمار شامل وأنه يخفيها بجدارة وهم يحتاجون إلى حسين كامل جديد حتى يكشف عنها.!! أما «المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسية» المعروف بموضوعيته فقد دعا إلى ندوة في ديسمبر الجاري لبحث حالة المجتمع العراقي بعد صدام. وعلى المستوى الواقعي تشير دلائل كثيرة إلى أن فرنسا بدأت تفتح قنوات اتصال فعليا مع المعارضة العراقية فوافقت على استقبال غالبية فصائل المعارضة في الجمعية الوطنية الفرنسية في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي في مؤتمر بعنوان: «أي مستقبل ينتظر أكراد العراق ؟» ورغم تحركات الاحزاب والجمعيات والنقابات الفرنسية ضد الحرب، فإن شيراك ما زال غير متفق مع توجهات المستشار الالماني شرودر، وهو يقترب بالتدريج من الموقف الأميركي البريطاني، وهو ما يعكسه بوضوح تصريح شيراك الذي قال إن فرنسا ستشترك في الحرب الاميركية على العراق اذا كانت في إطار الشرعية الدولية. ولا تقتصر التحولات على الموقف الفرنسي فقد نشرت مؤخرا (الأهرام القاهرية 7 - 12 - 2002) معلومات تشير إلى صفقة سرية عقدتها الولايات المتحدة وروسيا بشأن الملف العراقي، وحسب المنشور فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعا نظيره الأميركي الذي كان يزور العاصمة التشيكية براج إلى القدوم إلى بطرسبورج الروسية لإجراء مباحثات بلا أوراق، وفي المباحثات عرض بوش أن تتخلى روسيا عن النظام العراقي أو على الأقل تتوقف عن دعمها «الدائم» له مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية منها توفير دعم أميركي لعضوية روسيا في منظمة التجارة العالمية، وبحث الديون التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي، والديون العراقية لروسيا. وجاءت أول النتائج الملموسة لهذه الصفقة المحتملة في تصريحات بوتين في مؤتمر صحفي مشترك ناشد فيها بوش الصبر على العراق مع التشديد على ضرورة انصياع العراق، انصياعا تاما لقرارات مجلس الأمن، وإلا «فسيتعرض لأوخم العواقب»!! وهي معلومات لو صحت لكانت ختاما مأساويا لهذا الفصل من الأزمة العراقية. ـ كاتب مصري