الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 الشيء المهم الذي أكدته وقائع ونتائج انتخابات المركز في حزب الليكود تمثل في الفوز المتميز لشارون على منافسه بنيامين نتانياهو بفارق يقارب 18 % من نسبة المصوتين، على الرغم من كل ما يحمله شارون من تاريخ سياسي إسرائيلي مليء بالخداع والكذب داخل حزبه وخارجه. وبانتخاب شارون على رأس حزب الليكود يتجدد بقوة التحالف الدائم بين «اليمين القومي العلماني الصهيوني» و «اليمين الصهيوني التوراتي الغارق في رواية الميثولوجيا والخرافة الصهيونية »، وخيوط التشابك القائمة بينهما برفض الإقرار بحق الشعب الفلسطيني بدولة فلسطينية طبقاً لقرارات الشرعية الدولية والاستعاضة عنها بالحديث عن «كيان فلسطيني» على أقل من 42% من مساحة الضفة الغربية + 60% من مساحة قطاع غزة ، وأكثر من هذا يرى عتاة اليمين الصهيوني بشقيه العلماني والتوراتي بأن «الترانسفير» يمثل الطريق الوحيد لتطهير «أرض إسرائيل» من «الغرباء» ، كما تشير إلى هذا وثيقة حزب موليديت المنشورة يوم 25/4/2002، ومع أن هذه الأفكار موغلة في سعيها لإلغاء الشعب الفلسطيني من خارطة الوجود إلا أنها تتهاوى كل يوم تحت زحمة الوقائع القائمة على الأرض وتواصل المشروع الوطني الفلسطيني على يد أبناء الانتفاضة. وبالطبع فان لكل حدث تفسير، وفوز شارون يحمل دلالاته ومؤشراته التي تقول بأن المجتمع اليهودي على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 بات اليوم أكثر من أي وقت مضى مؤمناً بلغة العنف ومتمسكاً بنزعة القوة التي تتدفق من خلال سياسة القمع الدموي التي يمارسها شارون ومجموعته الأمنية والعسكرية داخل الدولة العبرية ضد الشعب الفلسطيني. ومع أن حزب الليكود مازال يؤوي داخله تيارات وأجنحة تتنافس في تطلعاتها اليمينية وشعاراتها المتطرفة ، وهذا ليس بالأمر الجديد داخل حزب الليكود المستولد في الحياة السياسية الإسرائيلية من رحم حزب حيروت اليميني المتطرف وريث مناحيم بيغن ، وفلاديمير جابتونيسكي وعصابة «الأرغون تسفاي ليئومي» إلا أن الظاهرة إياها استفحلت مؤخراً في انزياحات رموزها اكثر فأكثر نحو التشدد ليس فقط مع الفلسطينيين إنما مع مجمل الحالة العربية. إن هامش التنوع والتباين خلافاً لحزب العمل يضيق في صفوف مجموعات الليكود ، ونلحظ انزياحاً وجنوحاً للأغلبية نحو «اليمين القومي الفاشي الصهيوني» وطغيان اتجاهات التطابق مع أحزاب اليمين التوراتي ، حيث لم يكن مفاجئاً لأغلبية المتابعين للشأن الإسرائيلي التفوق الكاسح لشارون صاحب التاريخ المليء بالدم والنار وأعمدة الدخان على المرشح اليميني الأخر بنيامين نتانياهو، فشارون يحمل بالنسبة لجمهورأوساط اليمين ارثاً وتاريخاً عريقاً في السياسة والسلوك الدموي ضد الفلسطينيين. لقد استطاع شارون وبالرغم من سقوط الكم الأكبر من القتلى الإسرائيليين في عهده أن يعبر الطريق نحو ورقة الناخب اليميني بعد أن مارس لعبته الداخلية بحنكة ليست معهودة عنده ، فاستند في دعايته الانتخابية على تحريض أوساط جمهور اليمين وإثارة غرائزها وتهييجها على الفلسطينيين وعرفات تحت عنوان «اقتلاع الإرهاب الفلسطيني» ، وأن «لا مفاوضات تحت النار» ومستغلاً في الوقت ذاته «غياب الضغط الاميركي». ونستطيع القول بأن قدراً أعلى من التماسك الداخلي يسود الحالة العامة لحزب الليكود بالرغم من استمرار الهوة السحيقة الطبقية والتراتبية بين قيادته الاشكنازية وقاعدته الأوسع ذات الغالبية السفاردية، حيث التأرجح المتواصل هبوطاً في مستوى دخل الطبقة الوسطى التي تشكل مفاصل وأعمدة الحزب واتساع الفارق الطبقي بين القاعدة والقاعدة الوسطى والصف القيادي الأول، والإقصاء الشرقي، ولعل الإرث التاريخي الذي يحمله الليكود من موقع في المعارضة في العقود الثلاثة الأولى من تأسيس الدولة العبرية قد جعل منه موئل القاعدة السفاردية التي وقعت تحت التمييز الاشكنازي لحزب العمل. وباختصار شديد، بينما تؤشر انتخابات المركز عند حزب الليكود الذي يمتلك قاعدة حزبية تتعدى 300 ألف عضو إلى تواصل انزياح التجمع اليهودي في إسرائيل نحو سياسات اليمين وبروز ظاهرة التقاليد التوتاليتارية التي تقدس الأفراد عندما يصيح جمهور الليكود «أريك أريك ملك إسرائيل». وبشكل عام، إن المقدمات تشي بأن الكنيست الإسرائيلي السادس عشر المقبل سيكون بأغلبية يمينية لكنها تبقى بحاجة لحزب العمل ، حيث أمراء وصقور العمل مازالوا يملكون رصيداً وحضوراً كبيراً في رسم سياسات الحزب وتوجهاته المقبلة، بما في ذلك الدفع نحو مشاركة الليكود في حكومة مقبلة بعد انتخابات 28/1/2003 تحت عنوان «حكومة اتحاد وطني صهيوني». ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق