الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 لقد انتهى العرض، وانفض السامر، وذهب كل حيّ إلى سبيله، ودخل مسلسل المتنبي ومعه مسلسل صقر قريش إلى مكتبات استوديوهات التلفزيون حتى اشعار آخر، ولكننا لم نفرغ بعد من آثار المعلومات الضارة بالصحة العقلية التي اجاد تقديمها عباقرة كتاب المسلسلات التاريخية، حين آثروا ان يسلطوا الضوء على المشاهد الساخنة في التاريخ الاسلامي، ويعيدوا تقديمها بطريقة مختلفة جعلتها تبدو وكأنها العمود الفقري للمشروعات السياسية التي تكونت في مراحل التاريخ الاسلامي. واللافت حقا ان المد الاسلامي بكل زخمه وعنفوانه وحركته الهادرة التي شملت الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية وساهمت في تسريع عجلة الانتاج المادي المتطور الذي غذاه فكر نظيف، يعتمد الجودة كشعار، والاتقان كخيار رئيسي قد غاب عن الحضور في اللوحات التمثيلية المتلفزة التي اخفت كثيراً من الحقائق لصالح الدماء والرؤوس المتطايرة في الهواء!! ورغم ان كتاب السيناريوهات التاريخية لم يلتقطوا انفاسهم بعد من برامج رمضان، الا انه ليس لدي شك في ان جعبتهم مازال فيها الكثير من الاسماء التاريخية التي توازي في شهرتها ما حققه عبدالرحمن الداخل، والمتنبي من صيت ملأ الآفاق!! والسؤال الذي يفرض نفسه: اين يقف اعلامنا المرئي من علمائنا ورموزنا الذين ظهروا في القرنين التاسع عشر والعشرين؟! لماذا يختفي الحديث عنهم، ولماذا لا تحشد لعرض سيرهم الطاقات الاعلامية، وتهيأ للتعريف بهم الامكانات التي تتناسب مع سجلهم الحافل بالانجازات المشرفة، خاصة ان ما تركه لنا علماؤنا ومفكرونا الكبار في القرنين الماضيين حافل بالآثار والشواهد التي تدفع كل راغب في تجسيد المواقف المتميزة على الشاشة المرئية لان يبادر في استثمار ذلك الرصيد الفعال، ويقدمه في قالب درامي يتناسب مع حاجات شرائح مهمة من الجمهور الذي يتطلع إلى نص جيد ينتمي إلى رؤية معاصرة من شأنها ان تعيد إلى اولئك الافراد توازنهم النفسي، وتدفعهم إلى محاكاة وتقليد تلك الشخصيات الناجحة التي اثرت في مجتمعاتها بصورة قطعت الشك باليقين على قدرة الفرد المنتمي لهذه الامة على النبوغ والتفوق والاضافة إلى عصره متى ما كان جادا ومستعدا لدفع ضريبة انتمائه لتلك الاهداف الكبيرة. وهنا يحضرني واحد من اعلام هذا العصر هو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي رحل عنا منذ سنوات معدودة، ولم نستطع حتى الآن ان نرد له بعض حقه علينا، ولم تستطع مؤسساتنا الاعلامية اذاعية كانت ام تلفزيونية ان تكتب مسلسلاً واحداً يليق بقدره، وبالادوار العلمية التي شكلت اضافة حقيقية في ميدان الفكر الاسلامي والتي حقق من خلالها سبقاً لافتاً في هذا المجال. لقد رحل الامام الغزالي بعد ان ترك تراثا تجديديا ضخما في هذا الميدان عز له مثيل. وكم هم الذين تخرجوا من مدرسة الشيخ الغزالي فكانوا رموزا للاعتدال والوسطية التي اكدها الاسلام ودعا اليها. وكم هم الذين عرفوا جوهر الاسلام من خلال كتاباته المنهجية التي قدمت اجابات شافية على المئات من الاسئلة الملحة التي عجز عن تقديمها سواه من العلماء التقليديين، وتولى هو الاجابة عنها بدقة وموضوعية اكدت قدرته على فهم ابعاد النص الشرعي، واسقاط احكامه الواضحة على الواقع مما جعل المكتبة الاسلامية تدين له بالكثير وتفخر باحتوائها لآثاره العلمية المتميزة. فماذا يعرف شبابنا عن هذا العالم الجليل القدر؟ ولماذا يعجز كتاب المسلسلات عن تقديم عمل درامي يتناول سيرته ليتعرف عليه ابناء هذا الجيل؟. ألم تشرق كثير من المحطات التلفزيونية في الثمانينيات ببرامجه الغنية بالفائدة، حتى اذا ما رحل فقدت الصلة به وبأمثاله من المفكرين وكأنه ليس ثمة ما يدعوهم إلى الاحتفاء به والتذكير بأعماله وآثاره؟! ان امة لا تعرف قدر علمائها، وتجهل تاريخهم ولا تستفيد من آثارهم ونتاجهم العلمي الغزير كيف يراد لها ألا تفقد توازنها أمام رياح العولمة، وهي جاهلة بمصادر الثقافة الحقيقية وبرموزها واعلامها، وبعناصرها الغنية بالفائدة والقادرة وحدها على إعادة التوازن المفقود.