الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 احتارت الفضائيات في كيفية تقييم الأعمال الفنية المقدمة لها، اختلفت الآراء وتعددت، بين من يرى ان العمل الفني يقيم حسب مضمونه ومن يرى ان التقييم يتم على اساس حجم نجومه وحجم سعرهم في السوق او على قدر مستوى المخرج ومركزه بين مخرجي المسلسلات (الهاي) او (النص نص) احتدم الخلاف في الرأي وقبل ان (يفسد للود قضية) برز خبير تلفزيوني مخضرم قضى عمره متنقلا من استوديو الى استوديو.. ومن قناة تلفزيونية الى اخرى فحسم الخلاف باقتراحه الذي صب فيه خلاصة تجاربه وخبرته، مؤكدا ان تقييم المسلسل من النواحي الفنية او النجومية امر تختلف فيه الآراء وتتعدد فيه وجهات النظر، وان افضل واعدل وسيلة لقياس وتقييم الاعمال الفنية وخاصة المسلسلات هي استخدام (المتر) لقياس طول شرائط الحلقات، وكلما زاد معدل طول شريط المسلسل زاد سعره وارتفعت بالتالي اجور العاملين فيه.. والعكس صحيح! وبناء على هذا التقييم الفني المبتكر قد نرى عن قريب في كتب الرياضة المقررة في المدارس مسائل حسابية من هذا الطراز: «مسلسل طوله 12700 متر، فاذا علمت ان سعر المتر من شرائط المسلسل هو 20 دولارا فكم الفا يتقاضى منتج المسلسل ثمنا لمسلسله»؟! في سوق المسلسلات يتوافد المنتجون حاملين اشرطتهم الدرامية او الكوميدية، يباهون بطولها ويفاخرون بعدد حلقاتها، فمسئولو الفضائيات يشترون المسلسل بسعر المتر وليس بقيمة مضمونه او روعة فكرته وتمثيله؟ وعلى قدر شطارة منتجه في تسويق شرائطه موضحا بالارقام طولها، طالبا اقصى سعر ممكن للمتر منها تتم الموافقة والقبول ويقبض المعلوم، اما ذلك المنتج الخايب الذي يباهي بمضمون مسلسله او بفكرته واخراجه فلن يجني الا خيبة الامل.. سواء كانت (راكبة جمل) ام بدون! في بداية الامر.. وفي مرحلة التخطيط والاعداد للعمل في المسلسل يضع المنتج للمخرج تصوره لعدد حلقاته.. ويتناول الالة الحاسبة ليجمع ويضرب ويقسم ليصل بالناتج الى طول الشريط اللازم لهذه الحلقات مقيما بالمتر، وبناء على هذا التصور يبدأ المخرج في تقسيم هذا الطول على عدد الحلقات المطلوبة، وبالتالي يقسم الاحداث على هذه الحلقات، وفي العادة يصدم المخرج بأن كل احداث المسلسل لا تكفي الا لنصف الحلقات المطلوبة، وفي العادة ايضا يصل المنتج مع المخرج الى الحل السعيد الذي اصبح معروفا لدى كل منتجي ومخرجي المسلسلات، ذلك الحل الذي يقوم على الخلطة التقليدية المتداولة (ربع احداث + ربع مط + نصف حشو + ربع رغي = مسلسل ناجح تسويقيا ـ وهو المهم ـ فاشل جماهيريا ـ وهذا لايهم ـ).! 1) (المط).. هو ان يتم تصوير المشهد الذي لا يستغرق الا دقيقة واحدة في خمس دقائق على الاقل، فاذا كان الممثل يجري.. فعليه ان يظل يجري ويجري ويجري حتى ينقطع نفس المصور الذي يجري وراءه لتصويره، وحتى يكون قد استهلك من الشريط مئات الامتار، واذا كان الممثل عائدا الى بيته فليتابعه المصور طول الطريق حتى يصل منزله، ثم يتابع معه رحلة الصعود الى شقته على سلم البيت سلمة سلمة حتى باب شقته التي يستحسن ان تكون في الطابق الاخير حتى يسعد الجمهور بمشاهدة بطله او بطلته اطول وقت ممكن وكله مكسب! وهكذا يكون المخرج قد استهلك امتارا اخرى من الشريط.. وكله بالمتر..! 2) (الحشو).. اذا كان المشهد يصور حفل زفاف مثلا فلماذا لا يستثمر هذا المشهد لصالح المنتج ولصالح شريط المسلسل، ولماذا لا تكون في المشهد راقصة تستهلك رقصتها نصف شريط الحلقة امتاعا للمتفرجين من ناحية.. وارضاء لخاطر الراقصة التي غالبا ما تكون صديقة المنتج من ناحية اخرى. واذا كان العمل دراميا مليئا باللطم والبكاء فلماذا لا يقحم على العمل كوميديانا او اكثر يخففون على المشاهدين وقائع الغم والهم التي برع مخرجونا في تصويرها حتى النخاع، وبصرف النظر عن علاقة الكوميديا بأحداث المسلسل ووقائعه فان على الكوميديان ان (يحلل فلوسه) بأكبر قدر ممكن من التهريج والحركات البايخة حتى تجف دموع المشاهدين ويستعدون لمرحلة اخرى من الدموع، وهكذا ينتهي المسلسل ولا يدرك احد ممن تابعوه ان كان المسلسل دراميا ام كوميديا فالمهم هو ملء المساحة الخالية من شريط الحلقة! 3) (الرغي) وهذه هي مهمة كاتب الحوار الذي يكون عليه ان يكتب في عشر جمل ما يمكن ان يقال في جملة واحدة وان يعيد ويزيد في الاخذ والرد.. ثم الرد والاخذ حتى يفهم من لا يفهم.. ويعي من لا يعي من المشاهدين ما يحدث امام اعينهم، وهذا ما يعتبرونه (اثراء) للعمل الفني.. مع ان هدفه الحقيقي هو (اثراء) المنتج نفسه! حتى في الاعمال التاريخية والدينية لم يتورع المنتجون والمخرجون من اقحام الرقص والراقصات فيها، انطلاقا من حقيقة (تاريخية) تؤكد ان مقاومة المستعمرين لم تبدأ الا من الكاباريهات التي هي المقر الرئيسي لكتائب الراقصات الوطنيات اللاتي كن يجتذبن بهز اوساطهن جنود الاعداء حيث يقوم الوطنيون (الذين يقيمون في الكاباريهات لهذا الغرض) بقتلهم والتخلص منهم ويؤكد المنتجون ومخرجوهم ان مقاومة الاستعمار خرجت من الكاباريهات وتحملت مسئولية اجلاء المستعمرين عن الارض المحتلة، وحبذا لو استوعبت المقاومة الفلسطينية واللبنانية هذه الدروس التاريخية واستفادت من تجارب رائدات الرقص الوطني.!! ويبقى الشعار الخالد المرفوع دائما في انتاج مسلسلات العصر، والذي يعتبره المنتجون والمخرجون رمزا ومنهاجا لاعمالهم هو «بالمط.. بالحشو.. بالرغي.. ح نكمل المشوار..»!