الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 على حافة الهاوية نقف، أم نقترب من شاطيء النجاة، وهل ستدوم أستار الظلمة المحيطة بنا، أم هي بشائر فجر جديد؟ هذه صيغ من أخرى لا حصر لها تضرب بقبضاتها دماغ كل عربي. في أيامنا هذه الحبلى بكل الاحتمالات، والتي من كثرة اختلاط اوراق الحق بزيف الباطل، زاغت الأعين، وشاهت الرؤى، وضلت العقول، ووجد الأفاقون وسارقو الأحلام، والمتاجرون بالوهم، الفرصة سانحة لهم، لممارسة اللعبة الشيطانية، وارتداء كل الاقنعة التي تسهل لهم استمرار لعبة الارتزاق وسرقة دور المثقف الحقيقي، واستثمار آفة الصمت المفروض ـ لحين ـ التي ابتلي به الناطقون بلسان شارعنا العربي، ربما لكثرة الاحباطات، أو لفقدان الارادة، التي طوعت بفعل قهر لا مرد له سوى بعون الهي. في ايامنا هذه، يختلط ضعفنا وعجزنا، بمصادر قوة لا حد لها، وتتوزع قلوبنا ما بين يأس وقنوط داهم، لا يقل عن فعل الانتحار، وهو فعل مؤثم من يفعله، وما بين محفزات تفاؤل بغد وفجر جديد، تشرق فيه شمس نهوض من قلب رماد ما جرى واندثر. وفي أيامنا هذه، ما احوجنا الى التحلي بحكمة ـ شجاعة لا تعرف النفاق أو المداهنة، لكنها تتعالى على السقوط في قاع الخطابية التحريضية الموسمية، التي لا تسوقنا الى عمل له أفق واضح، بل يستثمرها اما ابطال الطقوس والمهرجانات الموسمية، او الافاقون اصحاب الحناجر القوية والاصوات الرنانة، الذين دأبوا على قول ما لا يفعلون، وللأسف هم كثر، كونهم أبناء المرحلة الضبابية، التي لا مرجعية لها. في أيامنا هذه، تتكاثر التحديات، وتفرخ الأزمة، أزمات، ويعتلي منصات الحديث عن حلول لها، صناعها والرابحون من عدم انفراجها. ولكثرة ما تعرض له المثقفون العرب من لوم، وكيل لهم من اتهامات، اتردد عن الانضمام لجوقة جلد الذات، ليس تعاطفا مع من دُجن او شُريت ضمائرهم، أو غيب وعيهم، بل دفاعاً عن أولئك الذين همشوا وطوردوا وحيل بينهم وبين اداء دورهم، وتُركوا ليكونوا أماثيل لكل من تسول له نفسه الخروج على النص، نص صناع الأزمة والسائرين في ركابهم، والغارقين في الوهم، ومدمني التبرير. في أيامنا، أصبح محالاً التعامل مع المثقف العربي، بنمطية، سواء بتخوينه او تمجيده، فهناك فئات مستحدثة من المثقفين، هناك مثقف تحت الطلب، يفوق الهجائين والمداحين في ديوان شعرنا العربي، فهو قادر في نفس الوقت على تدبيج تقارير في اعلاء فلان او الرمي به في قاع سحيق، وهو جمهوري وملكي في الوقت نفسه، قومي واقليمي، مع العولمة وضدها، مناهض للهيمنة ومتوائم مع المشروع الصهيواميركي، مدافع عن حقوق الانسان، ومبرر لانتهاكاتها. وهناك المثقف ذو الصوت العالي عبر الفضائيات، الناقد لكل انظمة الكون الا بلده، الداعي لوحدة لا يغلبها غلاب شرط ان تترجم الى ارقام في الحسابات السرية، والا فالاقليمية هي جنة الميعاد حتى يكون هناك كلام آخر. في ايامنا هذه، ما احوج المثقف العربي الحقيقي الى التمسك بنظرة ناقدة نفاذة، والايمان بأن ما نواجهه امر طاريء وعارض، ومآله الى زوال، ومن يتشكك عليه ان يراجع ما واجهته امتنا منذ الهجمة الصليبية وحتى نهاية القرن العشرين .. وتجاوزتها جميعا.