الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 وزعت اميركا 12 الف صفحة من تقرير برنامج العراق التسلحي على من رغبت من الدول ليصبح باب بغداد مشرعا واسرارها مستباحة على المكشوف، في الوقت الذي دفعت اميركا للمعارضة العراقية ملايين الدولارات لتقويتها وجعلها جاهزة الاستخدام بعد الضربة التي تبدو انها اتية ولا ريب في ذلك، وفرسان لجنة التفتيش الدولية شمروا عن سواعدهم ولبسوا الاصفر والاحمر من بدلات واقية للاشعاع وصار كل خرم في العراق مباحاً للكشف عليه. وان تكشف على العدو والصديق اسرار عملك وخبرة علمائك وتراكم سنوات طويلة من العلم، يعني انك تكشف اوراقك الرابحة قبل الخاسرة، وان تفتح شرايينك وحويصلات رئتك الهوائية للتنقيب فذلك يعني أن ترفع الراية البيضاء، وانك لا حول ولا قوة لك، وانك تحت رحمة من ارادوا لك ذلك، في مقابل ما اخترته انت من مصير. والعلاج الوحيد والخطر ايضا الذي يعرفه ولم يجد غيره الطب الحديث اليوم لمرض السرطان هو «الكيماوي» كما يسمى وكما هو شائع ومعروف، وابرة الكيماوي يأخذها المريض لمدة لا تقل عن ثماني ساعات ثم يترك بعدها لايام طويلة يعاني من ويلاتها، نزيف وقيء وهزال وتساقط شعر، ويتحول المريض من جرائها كالخرقة البالية، الى ان يستعيد عافيته بعد حين، لكن عليه ايضا ان يعيد الكرة وهو يقاوم ذلك المرض الخبيث .. دواء ضد مرض خطير، لكن الدواء اخطر. ما يرعبنا حول حال العراق الذي يعرى اليوم ويصفى وتطبخ له العلاجات العسكرية وغير العسكرية، هو خطر الدواء، فالذين لم يقاوموا علاجات المرض الخبيث قضوا في مراحل العلاج، ومنهم من كان في البدايات. حال العراق اليوم كحال الذي اجبر على شرب المرين، والتعرض للاشدين، والاختيار بين نهايتين كل منهما اصعب من الثانية، فلا منظر الصواريخ التي ستهطل مثل المطر على بغداد وتوابعها بأهلها وناسها علاج حكيم، ولا حصر القط في زاوية حتى يتحول الى وحش ينهش ويدمر من حوله علاج منطقي، ولا تركه نهبا للاطماع واللصوص والجواسيس يخدم الامة بأسرها. لكن هذا يجري ويحدث كاملا بمشاهد المأساة من جهاتها الاربع، ونقول الى الجحيم كل مجرم، وكل لص، وكل متجبر، وكل من اخذته انانيته الى سلطة غاشمة، والى الجحيم كل من يريد ان يقتل ويفجر ويدمر ويحرق. لكن لا يمكن ان تترك الملايين من الابرياء الذين لا حول ولا قوة سوى انهم ارتضوا بهذا الوطن مصيرا لا فرار ولا فكاك من مصائبه، ولا يمكن تصديق من يقول ان الانعطافات الكبرى لا بد وان تحصد الابرياء وهم ضريبة واجبة للتغيير. ما ندركه حقا انه حالما تقع الواقعة، فهناك بالتأكيد ابرياء كانوا ينتظرون الموت والحرق والعذابات لانهم فقط عراقيون في عراقهم. مطبب السرطان يدرك كم هو مؤلم ان يتعذب مريضه لكنه يبرر الايلام بحلم القضاء على الداء .. هذا في الطب. في ساحة المعركة لا شيء اسمه علاج ومسكنات للألم، انها الحرب التي تلمع نجوم قادتها كلما تساقط المزيد من الابرياء. الى اين يا عراق؟