الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 أنا الباسل الجعد الذي تعرف الورى له الذوق مر صاب ومر حليبْ ولى مقولٍ أمضى من السيف حدّه إلى صال منه العالمين تريبْ هكذا يعرف شاعرنا الكويتي المرحوم عبدالله الفرج نفسه، وهكذا يصف شعره أو قوله. وذلك لو أمعنّا النظر في تعريف رجل نظر طويلاً في تراث العرب الأدبي والشعري حتى ملك عينه وفؤاده ولبّه وبلغ منه مداه حتى تقمص صفات شعراء العرب وفرسانهم الأوائل، فإنك لو حققت النظر في هذين البيتين لَخِلْتَ نفسك تقرأ شيئاً لا يذهب بعيداً عن شعر من قرأت من شعراء العرب من أمثال عروة بن الورد أو الشنفرى أو عنترة العبسي أو المتنبي إذ يقول: أنا صخرةُ الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء ومن هذا المنطلق يمكننا ان نخوض في الحديث عن عبدالله الفرج وعن شعره، فإننا وبكل ثقة يمكننا أن نحدّد ثقافته ووجهته الشعرية. فشاعرنا عبدالله الفرج الذي عاش ما بين (1252 ـ 1319ه) قد نال حظاً من الثقافة الأدبية أتاح له أن يحاكي أدباء العرب الأوائل وشعراءهم، بل دفعه دفعاً الى الانقياد لأساليبهم العربية الرصينة الجزلة حتى وهو يكتب شعره النبطي، بل ذلك هو الذي جعل من شعره النبطي شعراً متميزاً رفيع المنزلة بين أقرانه وشعراء زمانه. ويبدو ان شاعرنا عبدالله الفرج قد تهيأت له فرصة كبيرة بأن يكون ذا ثقافة واسعة غير محدودة وذلك لأسباب عديدة منها: انه نشأ في أسرة ثرية ثراء طائلاً في ذلك العهد الذي عايشه، مما أتاح له أن ينال من رفاهية العيش وليونته سعة من الفراغ والهدوء، ونعومة الحياة التي وفرت له فرصة تلمس ما حوله من أشياء ومباهج ونواح لا تتاح لسواه من أهل زمانه ممن هم أقل منه ثراء وأكثر حاجة الى العمل في سبيل لقمة العيش. ومعلوم ان المشغول بتحصيل لقمته والركض وراءها براً وبحراً كما هو حال أهل زمانه من أهل الجزيرة والخليج من البدو الذاهبين وراء الكلأ والماء ومن الحضر الذاهبين وراء البحر غوصاً وصيداً وأشعاراً. من المعلوم ان أولئك لن تتاح لهم فرصة الالتفات الى سوى ذلك من مناحي الحياة وملاحظة دقائقها وتفاصيلها، كما أتيح لشاعرنا عبدالله الفرج ذلك الذي ولد منعماً فأثر ذلك في ثقافته ونباهته ودفعه الى تلمس جماليات الحياة وأسارير وجهها وتوقف عند منعطفاتها وقوف شاعر نابه لا وقوف رجل مشغول بلقمة العيش. ومن ترجمة بسيطة لشاعرنا نعرف ان شاعرنا أتيحت له فرصة لم تتح لكثير غيره من شعراء الشعر النبطي على وجه التحديد، تلك هي ثقافة الغربة والارتحال الى بلد ذي حضارة عريقة بل ضاربة في جذور التجربة الانسانية الحضارية، تلك هي الهند التي انتقل اليها شاعرنا صغيراً من بطن الجزيرة العربية الجافة ممتدة المعالم امتداد السراب غير المتناهي، تلك البيئة التي تؤثر أكثر ما تؤثر في الروح الانسانية تأثيراً عميق الغور، طويل التأمل، تلك البيئة التي لها حضاراتها الروحية الأخلاقية الأكثر عمقاً وضرباً في النفس الانسانية والتي انتقل منها سريعاً الى حضارة شاخصة المباني والشواهق، صاخبة الأزمنة والأمكنة، متلونة الأوجه والوجوه، متلونة اللغات، متعددة الأجناس والأخلاق والديانات والمذاهب والمشارب، ولقد وقفت على ترجمة لحياة شاعرنا تقول انه عبدالله بن محمد بن فرج بن عبدالرحمن بن فرج بن سليمان بن طوق المسعري الدوسري، والدواسر قبيلة من أكبر قبائل العرب، وعائلة الشاعر تعرف في القديم بآل الصراف، ثم بآل طوق، ولتكرار اسم فرج فيها غلب عليها هذا اللقب. كان جدها سليمان بن طوق قد هاجر من قريته نزوى في وادي الدواسر في ظروف مجهولة الى الاحساء، وفي القرن الثاني عشر انتقل فرج جد الشاعر الى بلدة الزبارة في قطر، وكان يحكمها يومئذ محمد آل خليفة مؤسس حكم الخليفة امراء البحرين ونشأ ابناه عبدالله ومحمد (والد الشاعر) يزاولان الأعمال البحرية في الأسفار الى الهند، وكان محمد بن فرج ذا همة عليا، وبصر بشئون الملاحة والتجارة فاستطاع ان يكون له ثروة كبيرة تقدر بالملايين، في زمن كانت ثروات بلاده لا تتجاوز الألوف وأصبح يملك اسطولاً من المراكب الشراعية الضخمة. وكان قد انتقل الى الكويت في أوائل القرن الثالث عشر وجعلها مقراً للعائلة على ان أعماله حتمت عليه الاقامة في بومباي الهند. وقد ولد شاعرنا في الكويت سنة 1252 هجرية، ونشأ في بومباي الهند في أحضان والده، حيث الثروة والرفاهية والنعيم، لأنه وحيد أبيه وتلقى دروسه في المدارس الهندية وتعلم العربية على يد أساتذة خصوصيين هناك حتى برع في كثير من العلوم، ولكنه آثر الشعر والموسيقى. وفي الثامنة عشرة من عمره توفي والده سنة 1270 هـ بالسكتة القلبية فاستولى على تلك الثروة الضخمة ولكنه بددها في مدة قصيرة لميله الى اللهو والملذات، فجاء الى الكويت مسقط رأسه، وأقام متردداً بينها وبين البصرة منقطعاً الى نظم الشعر والتلحين والغناء، فاكتسب شهرة واسعة ومقاماً رفيعاً هما أبقى له من التجارة والثروة. ولعل ذلك كان أشد الأحداث في حياة شاعرنا أثراً في تشكيل مزاجه الثقافي الذي أضحى مزيجاً بين صفاء البيئة العربية البدوية، وبين مزيج الحياة الانسانية الهندية التي لاشك نتج عنها مزيج من الثقافات والمذاقات التي لا تعد ولا تحصى، الأمر الذي لابد له من أثر بالغ في تشكيل ذائقة الشاعر عبدالله الفرج وتكوينه الروحي والعقلي والنفسي والذوقي. لكن نقلة عبدالله الفرج تلك صغيراً الى الهند لم تغرّبه ولم تطمس هويته الثقافية العربية لما كان من اصرار والده الثري العربي وحرصه على ربطه بجذوره العربية وذلك بتعليمه اللغة العربية الفصيحة على يد أساتذة مختصين، كما درس في المدارس الهندية التي لاشك انها يسرت له الاطلاع على علوم ولغات غير عربية برع فيها وأجاد واستفاد، وكان ذلك واضحاً جلياً بميله الى الموسيقى الهندية وتعلمها والاشتغال بالموسيقى عموماً. بعدها حين عاد الى الكويت بعد ان توفي والده مبكراً وهو في سن الثامنة عشرة في الهند. وإن كل ذلك يظهر واضحاً في شعره، فشعر عبدالله الفرج ليس بذلك السطحي الفارغ مضموناً، الضعيف شكلاً وبناءً، بل هو على العكس من ذلك، شعر جزل اللغة برغم عاميته النبطية، إلا انه يقارب الفصحى ويدانيها كثيرا جداً في جزالتها وفصاحتها لما يستعيده شاعرنا كثيراً مما اطلع عليه من آدابها وأشعارها ذلك الاطلاع الواسع كما يبدو. وان في الشعر النبطي الذي برع فيه عبدالله الفرج مزية ليست في سواه من الأشعار غير الفصيحة وهو قيام الشعر النبطي على هياكل الشعر العربي الفصيح والموزونة ذات البحور الموسيقية الجميلة التي جاءت عفو الروح العربية الشاعرة التي اخترعتها عفواً بغير تصنّع، ولم يكن ذلك التشابه بين الشعر النبطي والفصيح في هياكله الموسيقية بدعة ولا غريباً فمن عرف الشعر النبطي شكله ومضامينه وأغراضه وأساليبه، عرف انه ذات الشعر العربي الفصيح لولا تحلل من قواعد اللغة الفصحى نحواً وصرفاً. وإن المطلع على شعر عبدالله الفرج يلمس ذلك الأثر العربي البليغ والرصين المستفيد من دراسته للعربية وآدابها وهو في الهند وحسبك من ذلك كثيراً من أبيات قصائده وأشطرها.. كقوله (وانظر ما بين الأقوس): ((دع صريع الغواني على ما عزمْ)) بفعل اللي يشا جاهلٍ عليمْ ((خليلي عوجا لي على المنزلِ العافي)) لعلّي أرى التسليم مِشْفٍ لي وشافي ((دعني أقاسي بالهوى كل ما لم)) واهيم من فرقا المحبين ما لم بل هناك من الأبيات في قصائده ما يمكنك قراءتها فصيحة بلا خلل ولا اقواء كقوله: هل الدار الاّ خافياتٌ رسومُها وهل شاخصٌ في الحي إلاّ رسومها تلوح بقاياها كما وصفِ دمّةٍ نحا الطيرُ والسرحان منها لحومها