الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 ربما يكون قرار شن الحرب تراجع نسبيا إلى الخلفية، لكن الولايات المتحدة لن تدع العراق وشأنه طالما بقيت السياسة الدولية الاميركية رهينة مبدأ حماية أمن اسرائيل. اجل.. ان تجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل اولوية اميركية.. لكنها ليست سوى أولوية مرحلية ضمن سلسلة اولويات تبدأ وتنتهي وتتحدد بمصير الدولة اليهودية. فحتى اذا اغلق ملف اسلحة الدمار الشامل في يوم ما فإن الادارة الاميركية ـ سواء في عهد جورج بوش أو خلفه ـ سوف تكون على أهبة الاستعداد لفتح ملف آخر. وربما يدخل في السياق ايضاً ان ادارة بوش اكتشفت في حمأة استمرار حملتها ضد العراق ان هناك فائدة اضافية: فانشغال العالم، بما في ذلك عالم العرب والمسلمين، بالمسألة العراقية وما يثار بشأنها من عواصف غبارية متجددة يجتذب الاهتمام الاكبر العالمي عما يجرى للفلسطينيين على يد الاسرائيليين. لمدى السنوات الاحدى عشرة منذ ان سكتت المدافع الاميركية وهجعت الصواريخ عقب نهاية حرب الخليج الثانية (ورغم هجمة «ثعلب الصحراء» في أواخر عام 1998)، ادرك العالم بالتدريج ان تجريد العراق من اي اسلحة نووية او كيماوية او جرثومية ليست هي المنتهى في الاهداف الاميركية. فقد بات واضحا ان الهدف الاستراتيجي الاميركي الاعظم هو حذف العراق نهائياً من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي. والآن وبعد ان قدمت بغداد رسميا إلى الامم المتحدة ملفها الذي تبرهن فيه ان العراق خالٍ تماما من اسلحة الدمار الشامل ازفت ساعة الحقيقة. فقد اتضح ان كل دعاوي واشنطن بأن في حوزتها معلومات استخباراتية تبرهن العكس ليست سوى حيلة دعائية. ومن فرط ثقة بغداد بنفسها وملفها المفصل المكون من 12 الف صفحة انها اتبعت تقديم الملف بتحدٍ موجه إلى واشنطن مفاده: إن كان لديكم فعلا معلومات تدحض بياناتنا.. فهلا تقدمتم بها إلى لجنة التفتيش الدولية. نعم.. تعلم واشنطن علم اليقين، بقدر ما تعلم بغداد، انه لم يعد لدى العراق اي شيء مما يتهم به. ولذلك تهربت الادارة الاميركية من التحدي العراقي بصورة فاضحة نادرة النظير في تاريخ العلاقات الدولية. في ردهم على التحدي قال المسئولون في ادارة بوش انهم لا يريدون «خيانة» مصادرهم عبر «كشف» المعلومات المتوافرة لديهم عن وجود برامج عراقية لأسلحة دمار شامل. هذا الرد الذي يتبارى فيه قبح الذنب مع قبح العذر يفيدنا في تفسير لماذا كانت الولايات المتحدة تقاوم لمدى ما يقارب شهرين توجه مجلس الامن الدولي لاستئناف عملية التفتيش الدولي في العراق إلى ان هزمت بموجب القرار 1441. فالادارة الاميركية كانت تعلم سلفا ان لجنة التفتيش سوف تتوصل عند نهاية العملية إلى نتائج تبريء العراق. بالتالي فإن شن حرب على العراق ينتقل بالقضية بعيدا عن مسارات التفتيش. ان استهداف الولايات المتحدة للعراق لن يتوقف طالما بقيت الطبقة الحاكمة الاميركية مرتهنة إلى اسرائيل ومصيرها. ولذا فإن المسألة العراقية لن تنتهي عند محطة اسلحة الدمار الشامل. وفق الجدول الزمني الذي اختطه مجلس الامن الدولي بموجب القرار 1441 فإن الخطوة التالية بعد تسليم بغداد ملفها التي اعلنت انها لا تمتلك اسلحة دمار شامل هي ان تواصل لجنة التفتيش الدولية اعمالها في ضوء المعلومات التي اشتمل عليها الملف لتنتهي إلى استخلاص نهائي اما بالتأكيد على صحة المعلومات العراقية او تكذيبها جزئيا بالحصول فعلا على شيء من اسلحة الدمار الشامل. والمفترض ان ما سوف تتوصل اليه اللجنة ـ اذا ظلت تتحلى بالنزاهة كما هو الحال حتى الآن ـ هو تبرئة العراق. عند الوصول إلى هذه المحطة فإن المفترض ان يدخل مجلس الامن الدولي مرحلة النظر في رفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق. واذا افترضنا ايضا ان الولايات المتحدة سوف تمنى بفشل ثانٍ في مسعاها لعرقلة مسار عملية التفتيش بصورة او بأخرى إلى ان يقرر مجلس الامن اغلاق ملف اسلحة الدمار الشامل نهائيا لصالح العراق فإن اغلب الظن ان واشنطن سوف تعمد إلى فتح ملف آخر.. ملف الاسرى او المفقودين الذين يقال ان العراق يحتفظ بهم رغم ان السلطات العراقية تنفي ذلك قطعياً. واذا فتح هذا الملف فإن المجادلات حوله سوف تستغرق شهورا اخرى مما يؤدي تلقائيا إلى ارجاء النظر في الغاء نظام العقوبات. وصفوة القول ان الولايات المتحدة مصممة فيما يبدو على الاستمرار لأجل غير مسمى في شغل العراق بهمومه الذاتية حتى يظل في حالة اقصاء مستديمة عن فلسطين. فواشنطن تعلم ان العراق، بما لديه من موارد طبيعية وقوة بشرية ذات مهارات متقدمة ومتعددة وإرث تاريخي غني، يشكل رقما مهما في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي اذا سمح له بالتحرر نهائيا من نظام العقوبات.