الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 يميل بعض المحللين إلى تفسير العديد من الافكار والاقتراحات التي يطرحها المسئولون الإسرائيليون فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية على انها من ضرورات المزايدات الانتخابية ومستلزماتها، وذلك بهدف التأثير على توجهات الناخبين الاسرائيليين وقناعاتهم، وبالتالي الحصول على أصواتهم. واذا اخذنا هذا التحليل كحقيقة سياسية مسلم بها، فإن من شأن ذلك ان يقودنا إلى اعتبار كل الطروحات والمشاريع المحلية والاقليمية والدولية المتداولة حالياً، بما في ذلك «خطة الطريق» الأميركية الرباعية، مضيعة للوقت ولن يبقى منها بعد زوال مفعول المزايدات الانتخابية اي شيء على الاطلاق. فهل الأمر كذلك فعلاً، ام ان ما يجري له تفسير آخر مختلف؟ لابد من التمييز اولاً بين امرين اساسيين يرتبطان بما يحدث في الاراضي الفلسطينية المحتلة بخاصة، وفي منطقة الشرق الاوسط بعامة. الاول يتمثل بالوضع الاسرائيلي، وضمنه الانتخابات التشريعية المبكرة التي ستجري في الثامن والعشرين من يناير المقبل، وذلك بعدما وصلت حكومة ارييل شارون الائتلافية «مع حزب العمل» الى طريق مسدود. والثاني يتعلق بالغزو الاميركي المتوقع للعراق: حساباته وتأثيراته المحتملة، كما يتعلق بنشاط اللجنة الرباعية الدولية التي تتولى وضع أسس جديدة لتسوية اسرائيلية ـ فلسطينية، غير واضحة المعالم حتى الآن. في الأمر الاول، بات من الواضح ان المزايدات الانتخابية في اسرائيل غدت اقل حدة بعدما حسم الصراع بين ارييل شارون وبنيامين نتانياهو على زعامة حزب ليكود لمصلحة الاول، ولأن جميع استطلاعات الرأي في الدولة العبرية تشير إلى احتمال فوز شارون على منافسه رئيس حزب العمل عمرام متسناع بفارق كبير. اذ كان من المفترض ان تكون المواجهة الحقيقية بين شارون ونتانياهو، باعتبار ان كلاً منهما يتغذى من مصدر سياسي واحد تشكله القوى المتطرفة في إسرائيل، ويتنافسان على الموقع ذاته. ولذلك فان المزايدات داخل كتلتيهما بلغت ذروتها، قبل الانتخابات الداخلية لحزب ليكود، في التشدد حيال الشعب الفلسطيني وفي انكار حقوقه، وفي تسليط كل وسائل التدمير ضده، وفي التحريض على اخضاعه لعقوبات جماعية مستمرة. «خطة الطريق».. والغزو بيد ان هذا السلوك الدموي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وغير المسبوق بوحشيته في أي بلد من بلدان العالم، ليس شأنا انتخابياً، ولا يمكن تصنيفه كذلك. فهو يمثل نهجاً سياسياً واضحاً، لم تعرف حكومة شارون سواه منذ تسلمها السلطة في الربع الاول من عام 2001، بدليل ان نتانياهو لم يجد ما يزايد به على شارون سوى التأكيد على ضرورة طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى خارج اراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، مع العلم ان الثاني لم يدخر وسيلة، في وقت سابق، لتحقيق هذا الهدف. لكن ظروفاً اقليمية ودولية حالت دون تنفيذ رغبة شارون، بعد ان كان دمر مقر عرفات بالكامل في رام الله، على مراحل متقاربة، باستثناء غرفتين مازال الرئيس الفلسطيني يحتمي بهما ويتخذهما مسكناً شخصياً ومقراً رسمياً له. وما يفعله شارون حالياً ليس سوى مواصلة نهجه العدواني التدميري، مستفيداً من الدعم الداخلي الذي يلقاه من اقرب حلفائه المتطرفين: وزير الدفاع شاؤول موفاز ووزير الخارجية نتانياهو ورئيس اركان الجيش موشي يعلون، وكل التركيبة الليكودية المتماثلة في نزعاتها العدوانية، ومستفيداً ايضا من الدعم الخارجي، الأميركي بخاصة، والذي مكنه من ارتكاب كل جرائمه وانتهاكاته للشرعية الدولية، من دون أي اعتراض رسمي أو محاسبة اخلاقية. وفي مقابل طروحات رئيس حزب العمل الجديد متسناع باستئناف المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين من دون شروط مسبقة، يرتفع في الجبهة الليكودية مزيد من الأصوات المطالبة بـ «الحسم العسكري» ضد الفلسطينيين، أي باجبارهم على الاستسلام الكامل والرضوخ لمشيئة المتطرفين الإسرائيليين. وإلا فإن «الترانسفير» يصبح الخيار المفضل لدى شارون وموفاز والآخرين.. اذا سمحت الظروف الدولية بتنفيذ هذا المخطط الجهنمي الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة، إلى حد انه اضحى يمثل تهديداً جدياً لمستقبل الفلسطينيين كما اظهروا مزيداً من الاصرار على مواجهة الاحتلال والدفاع عن انفسهم. أما في الأمر الثاني، المتعلق بـ «خطة الطريق» والمساعي التي تبذلها اللجنة الرباعية الدولية لإرساء أسس جديدة لتسوية القضية الفلسطينية، فان الاجتياح الأميركي المتوقع للعراق بات جوهر الموضوع نظراً لتمحور الاهتمام الأميركي حوله واعتباره مدخلاً لمعالجة شئون المنطقة كلها. والرهان على «الخيار العراقي» لا يقتصر على واشنطن فقط وانما يشمل اسرائيل ايضاً، وربما بدرجة اكثر الحاحاً. واذا كانت الادارة الأميركية تعتقد بأن احتلال العراق يمكنها من احكام سيطرتها الكاملة، عسكرياً وسياسياً على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، فضلاً عن وضع يدها على ثاني اكبر احتياط نفطي في العالم، بعد المملكة العربية السعودية، فان اسرائيل تؤمن ايماناً راسخاً، بأن تدمير القوة العسكرية العراقية واحداث تغيير جذري في نظام الحكم العراقي، سينشأ عنه انهيار كامل في مختلف انحاء الوطن العربي. وفي هذا المنعطف التاريخي تتوقع إسرائيل ان تتوفر لها الظروف المناسبة لفرض الحل الذي تريده على الشعب الفلسطيني، وقد تكون البداية العراقية احد منافذ هذا الحل المتخيل، حيث يمكن اسكان عشرات أو مئات الالوف من الفلسطينيين في الأراضي العراقية، بحسب الخطط الكثيرة التي تمتليء بها ادراج المسئولين الإسرائيليين، ولعل الأصوات التي ارتفعت أخيراً في إسرائيل تدعو إلى جعل صحراء سيناء مقراً للدولة الفلسطينية، خير مقال على نمط التفكير الإسرائيلي، والمدى الذي يمكن ان تذهب إليه المشاريع الإسرائيلية. وهذه الاحتمالات تدفع إلى الاعتقاد بان الاقتراحات والافكار التي يجري تداولها الآن في اطار «خطة الطريق» الاميركية الدولية، لا تعدو ان تكون محاولة لالهاء الاطراف العربية المعنية واضفاء نوع من الايجابية على السياسة الاميركية، وفي الوقت نفسه السعي لانتزاع تنازلات اضافية من الدول العربية فيما يخص الملف العراقي المفتوح، ففضلا عن ان الولايات المتحدة غير جاهزة ـ لهذا السبب بالذات ـ لاتخاذ مواقف حاسمة حاليا في شأن الملف الفلسطيني، فان اسرائيل ايضا ليست في وارد الاقدام على خطوات «مصيرية» قبل حسم الموضوع العراقي، بغض النظر عن استحقاق الانتخابات النيابية ونتائجها، المعروفة سلفا. ولكن، وحتى تبريء الحكومة الاسرائيلية نفسها من مسئولية عرقلة المساعي الدولية الخاصة بالتسوية السلمية، فقد طلبت من واشنطن امهالها تقديم ملاحظاتها واجاباتها النهائية على «خطة الطريق» إلى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة خلفا للحكومة المؤقتة، ولم تواجه حكومة شارون اية صعوبات في اقناع الادارة الاميركية بـ «سلامة» مطلبها، لان لا احد يبدو في حال استعجال لبلورة «خطة الطريق» أو أية خطة اخرى، وسط هذه الظروف المعقدة. الدولة.. المناورة حيال ذلك، بدا الطرف الفلسطيني مقتنعا تماما بأنه غير قادر على انتزاع موقف اسرائيلي واضح من موضوع التسوية السلمية، باستثناء الاجماع الداخلي على توجيه مزيد من الضغط نحو الفلسطينيين لحملهم على الاستسلام، وحتى التصريحات التي ادلى بها ارييل شارون، في شأن موافقته على دولة فلسطينية منزوعة السلاح على 42% من اراضي الضفة الغربية و60% من قطاع غزة، تبدو عديمة الاهمية ومجرد لغو باطل، فشارون يدرك تماما ان الفلسطينيين يرفضون مثل هذه الطروحات ويعتبرونها غير جدية كليا، ومع ذلك فان تصريحاته اثارت استياء قسم كبير من الاسرائيليين الذين لا يحبون سماع مصطلح «دولة فلسطينية» حتى ولو كانت هذه الدولة من نوع «الدويلة» الهزيلة التي يقترحها شارون ولا يتوفر فيها اي شرط من الشروط القانونية والجغرافية والاقتصادية التي تجعلها قابلة للحياة والاستمرار. والمحللون رأوا في حديث شارون عن الدولة الفلسطينية مجرد مناورة سياسية يسترضي بها الرئيس الاميركي جورج بوش الذي سبق له ان تحدث عن دولتين: فلسطينية واسرائيلية تتعايشان جنبا إلى جنب، كما اعتبروا انه قد يكون محاولة لاجتذاب القوى المعتدلة في اسرائيل التي ربما تستهويها طروحات رئيس حزب العمل متسناع وتميل إلى تأييده في الانتخابات المقبلة، من دون ان يخسر هو قاعدته الانتخابية الليكودية التي باتت تعتبره رجلها المفضل، بغض النظر عن المناورات التي قد يلجأ اليها لضمان فوزه. مع ذلك، ولأن هذا الامر على قدر كبير من الحساسية، لم يحتمل شارون الموقف الذي صدر عن المندوب الاسرائيلي في الامم المتحدة يهودا لانكري، حيث اعلن الاخير ان «اسرائيل تقبل برؤية دولتين (اسرائيلية وفلسطينية) تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وامن»، وفقا للاقتراح الذي تضمنه خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش في 24 يونيو الماضي، لذا سارع مع وزير خارجيته بنيامين نتانياهو إلى الاعلان عن رفضهما تصريحات السفير، والتأكيد بأن ما صدر عنه لم يكن بالتشاور معهما، وبالتالي فان مضمون التصريح لا يعكس حقيقة الموقف الرسمي للحكومة الاسرائيلية. حيال هذا التخبط، يتجدد السؤال عن الدور الذي يمكن ان تلعبه اللجنة الرباعية الدولية في وضع القضية الفلسطينية على سكة الحل الفعلي، حتى لا تصبح مجرد لعبة في يد الولايات المتحدة تستخدمها لتمرير سياساتها الخاصة بالعراق ثم تتجاهلها بعد ذلك وتتخلى عنها، فالمبعوث الاوروبي ميغيل انجيل موراتينوس إلى المنطقة يقول ان هدف اللجنة الرباعية بلورة «خطة الطريق» حتى نهاية العام الجاري لتصبح القاعدة الرئيسية في تسوية المشكلة الفلسطينية، لكن هذا التوقع يصطدم فورا بالحسابات الاميركية الخاصة بالعراق من جهة، وبالحسابات الاسرائيلية من جهة اخرى، باعتبار ان لكل من الطرفين اجندته واهدافه، القريبة والبعيدة. وفي الواقع، فان ما ينبغي ان تقوم به الاطراف الثلاثة في اللجنة الدولية: الاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة، هو حمل اللجنة على تقديم «خطة الطريق»، بصيغتها النهائية، إلى مجلس الامن الدولي للموافقة عليها واعتمادها رسميا ثم فرضها على الطرفين المعنيين: اسرائيل والفلسطينيين، بالوسائل المناسبة، كما يحدث في مناطق اخرى من العالم، واذا لم يحدث ذلك فان اللجنة الرباعية وحركتها الراهنة ستبقى مجرد قنبلة دخانية هدفها اخفاء غايات اخرى، ليس من الصعب ادراك حقيقتها. بذلك فقط تؤكد اللجنة الدولية جديتها وفعاليتها، لان البديل الاخر الذي سيظل قائما، في غياب هذا التوجه الجذري، هو الحل الدموي الشاروني المدعوم من الادارة الاميركية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا