الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 كشفت تصريحات محمود عباس «أبو مازن» وردود الفعل عليها، مدى حاجة الفلسطينيين لحوار داخلي يعزز من وحدتهم ويساهم في ترتيب أوضاعهم، كما كشفت على وجه خاص عن افتقادهم للقيادة، أو بمعنى أدقّ افتقادهم لاستراتيجية سياسية وكفاحية مشتركة، توحد خطاباتهم وتنظم نضالاتهم. ففي مواقفه التي أدلى بها مؤخرا طالب أبو مازن الفلسطينيين بالتخلي عن المقاومة المسلحة، جملة وتفصيلا، وبالتركيز على اعتماد طريق المفاوضات مع الإسرائيليين لاستعادة الحقوق، ولم يوفر أبو مازن في انتقاداته الطريقة التي تدار بها الساحة الفلسطينية والتي تؤدي إلى تعميم مظاهر الفوضى وظواهر الفساد. وفي الواقع، وبغض النظر عن مواقف أبو مازن والظروف التي جاءت فيها، فإنه ومنذ اندلاع الانتفاضة كان الفلسطينيون بحاجة ماسة لحوار داخلي معمق يوحّد خطابهم السياسي ويرشّد طرقهم النضالية، ولكنهم بدل ذلك تركوا نهبا للفوضى والعفوية والمزاجية والتوظيفات الفصائلية، ما كلفهم ثمنا باهظا من معاناتهم وتضحياتهم ومن تحميل انتفاضتهم فوق ما تحتمل ما أدى إلى هدر طاقاتهم النضالية. وقد أثبتت التجربة الفلسطينية ان التضحيات والبطولات لوحدها لا تشكل الشرط الكافي للانتصار على العدو إذ أن ذلك، لا سيما في مداخلات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يحتاج ايضا إلى توفر المعطيات الدولية والعربية الملائمة، كما يحتاج إلى الإدارة المناسبة التي تقود الشعب نحو الهدف بأقصر وأقوم طريق ممكن. جمود الساحة ومشكلة الفلسطينيين أنه على رغم حيوية قضيتهم وكثرة فصائلهم وقياداتهم ومنشوراتهم، فإن ساحتهم تكاد تفتقر للنقاش السياسي، الاستراتيجي والعقلاني، بسبب غياب ثقافة الحوار وضعف الإطارات الجمعية التي تتيح المجال لخلق حالة نقاشية نقدية تمكّن من تبادل الآراء وتفاعل الأفكار؛ وبسبب سيادة الخطابات التحريضية والعاطفية التي تعيد إنتاج البديهيات والعموميات والمطلقات، على طريقة الوصفات الطبية والفتاوى الدينية والمواعظ الأخلاقية، متجاهلة الإمكانيات الذاتية وموازين القوى والمعطيات العربية والدولية، في كل مرحلة. ومن دون التقليل من أهمية الجهود الفردية والحوارات الجارية داخل الأرض المحتلة وخارجها، كالحوارات الداخلية بين تيارات «فتح» أو بين حركتي فتح وحماس أو بين بعض الفصائل الفلسطينية، فإن الساحة الفلسطينية بحاجة، أيضا، إلى التربية على ثقافة الحوار وتقبّل الرأي الآخر وإتقان المعادلة التي توائم بين الطموحات الذاتية والأهداف الممكنة بدون توهّمات أو مبالغات. كذلك فهي بحاجة إلى تعميم الحوار، حول الخيارات السياسية المصيرية، بتحويله من مجرد حوار بين بضعة أفراد أو قياديين في فصائل معينة إلى نقاش وطني عام في المنابر الجماهيرية والإعلامية وفي الهيئات التنظيمية للفصائل، ذاتها، بمختلف مستوياتها كما في المؤسسات والإطارات الوطنية التمثيلية «لجنة تنفيذية ومجلس وطني ومركزي وتشريعي» وغيرها. ويمكن تفسير ضعف الحوار في الساحة الفلسطينية بعوامل خارجية تتعلق بالمواجهات المستمرة منذ أكثر من عامين ضد إسرائيل، واجراءات الحصار والعزل والاعتقال والاغتيال التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين وقياداتهم، كما ثمة علاقة لذلك ببعض المداخلات العربية والدولية، المعروفة، في الساحة الفلسطينية. ولكن ضعف الحوار يعود، أيضا، لأسباب داخلية أهمها: أولا، طريقة القيادة الفوقية والفردية في صوغ القرارات، وتغييبها للأطر الشرعية، وإحجامها عن المبادرة لتنظيم مثل هذا الحوار حول القضايا المصيرية، في وقت تبدي فيه اهتماما بالتحاور مع الأميركيين والإسرائيليين؛ وثانيا، تفشي النزعة الفصائلية، فكل فصيل يمارس السلطة ويدّعي الحقيقة، ويمارس وصايته على القضية والشعب! بحسب حجمه وإمكاناته وعلاقاته الإقليمية؛ وثالثا، غياب أو تغييب العلاقات الديمقراطية التعددية داخل معظم الفصائل وسيادة المركزية في حياتها الداخلية؛ ورابعا، ضعف الحراك الداخلي، فالقيادات تبقى متمسكة بمراكزها، بينما الكوادر الشابة والمجرّبة غالبا ما تهجر فصائلها بسبب القناعة بعدم جدوى هذه الفصائل واستهلاكها لدورها!والأنكى من كل ذلك أن الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن عواطفه، مغيّب سياسيا وهو لا يمتلك علاقة إيجابية تفاعلية وتبادلية ملموسة مع معظم الفصائل العاملة في ساحته! ولعل في هذا كله ما يفسر بقاء الساحة الفلسطينية جامدة، في أحوال كثيرة، بأطرها وأفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها في الستينيات، برغم كل ما مرت به من منعطفات وتطورات وإنجازات وانكسارات! غياب المبادرة المهم الآن، وبعد أن حصل ما حصل، وخصوصا بسبب الضغوط الداخلية والخارجية «الأميركية والأوروبية» فإن القيادات الفلسطينية، تبدو أكثر حماسا للإدلاء بدلوها والمشاركة في ورشة الحوار حول القضايا المصيرية التي تهم ساحتها. وعلى أية حال فإنه بغض النظر عن الالتباسات الكثيرة التي أثارتها تصريحات أبو مازن، وبغض النظر عن موافقتنا أو معارضتنا لبعض آرائه، فإنه ثمة أهمية كبيرة للنقاش الدائر ولا سيما لمصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع: صعوباتها وتعقيداتها؛ وخصوصا لتوضيح القضايا التالية: 1ـ تحديد مآل الانتفاضة، فليس خافيا أن الانتفاضة، ببعدها الشعبي، تآكلت عمليا منذ وقت طويل، لصالح ظاهرة المقاومة، وأن هذه الظاهرة بدورها تعرضت لضربات قاسية ولامتحانات صعبة. والمعنى أنه لم يعد مقبولا مجرد الاكتفاء بالحديث العام عن ضرورة الصمود والقول، مثلا، بأننا انهزمنا عسكريا ولم ننهزم سياسيا لأن إرادتنا قوية. فالمصارحة يجب أن تفتح أسئلة عديدة، من نوع: لماذا وصلت الحال إلى ما هي عليه؟ وهل من الممكن أو هل ثمة مصلحة بتجديد الانتفاضة؟ أو ما هي وسائل العمل البديلة والممكنة على ضوء التعقيدات الراهنة؟ فليس من المعقول التعامل وكأنه ليس ثمة مسئول عما جرى من تخبطات وفوضى في الخطابات وفي الأشكال النضالية كما ليس من المعقول تجاهل التقرير بمصير الانتفاضة وكأنها ظاهرة عفوية يمكن أن تستمر إلى الأبد. 2 ـ ضرورة التوافق على استراتيجية سياسية موحدة لهذه المرحلة، صحيح أن الشعب الفلسطيني «والعربي» ويتمنى بأن يستيقظ ذات يوم ليرى فلسطين وقد تحررت من الصهاينة، ولكن يجب التوضيح بصراحة بأن الأحلام والأمنيات والحق والعدالة، شيء، والسياسات وموازين القوى شيء آخر، إذ لا يمكن استعادة الحقوق ونيل الأمنيات بضربة واحدة ومرة واحدة. والمعنى أنه لابد من التوافق على هدف معين، على ضوء المعطيات والإمكانيات الراهنة، وهذا الهدف يتمثل بإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967؛ فبرغم الإجحاف بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني في هذا الحل، إلا أنه قد يفتح المجال، مستقبلا، أمام تفاعلات ربما تتيح تقويض الطابع العنصري والاستعماري لإسرائيل، لصالح دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية ـ لمواطنيها في فلسطين التاريخية. 3 ـ التركيز على الانسجام والتكامل بين الاستراتيجيتين السياسية والميدانية، والمعنى أنه إذا كانت المعطيات الراهنة تشرّع الكفاح للتخلص من الاحتلال في الضفة والقطاع، وأنه إذا كانت الانتفاضة حالة فعل، أصلا، في الإطار الجغرافي والبشري لهذه الأراضي، فمن البديهي التوافق على تركيز المقاومة المسلحة ضد الوجود الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي فيهما بشكل مدروس وموجه، مع احتساب الاقتصاد بالقوى، فالمسألة هنا ليس لها علاقة بالاجتهادات ولا بوجود مقاومة لمجرد المقاومة ولا بالتنافس السياسي وإنما بالجدوى السياسية. 4 ـ أهمية المواءمة بين الكفاح لدحر الاحتلال وبناء الكيان السياسي، باحتساب مدروس للطابع المزدوج لحركة التحرر الفلسطيني. فعملية البناء تخدم وحدة الشعب الفلسطيني وتعزز وجوده السياسي والاجتماعي وتقوض ركنا أساسيا من أركان العقيدة الصهيونية، التي تأسست على تغييب هذا الشعب، أما استمرار طابع التحرر الوطني فهو يساهم في عزل إسرائيل ويفضح ممارساتها العنصرية والعدوانية والاستعمارية في الأرض المحتلة ويشرع الكفاح ضدها. أخيرا لا شك بأن الرئيس عرفات يتحمل، من موقعه المتميز والمقرر، كزعيم للشعب الفلسطيني، مسئولية المبادرة لحسم الاجتهادات المتضاربة في فتح والساحة الفلسطينية، ومسئولية مكاشفة شعبه بالحقائق ومسئولية الشروع بعملية التجديد التي تتلاءم ومتطلبات الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية، فالشعب الذي يقاسي أهوال الحصار والعدوان ويعاني جراء التجويع والتقتيل والتدمير، من حقه على قيادته أن تصارحه بالحقائق وبالتحديات وبالإمكانيات؛ بدلا من تركه ضائعا ومشوشا بين الاجتهادات أو الفتاوى المتضاربة. ـ كاتب فلسطيني