الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 ذهب بنا الحديث البارحة الى اهمية التفريق بين نوعين من النجاح، الاول اطلقنا عليه اسم «النجاح المؤقت» وهو القائم على عجز الفرد عن استيعاب امكانية النجاح في ادارة العلاقات الاجتماعية مع الحفاظ على استقلالية الشخصية مما ادى الى انحناء ذوي الشخصيات الضعيفة، ومسايرتهم للدائرة الاجتماعية المحيطة بهم في شتى المواقف والاتجاهات التي يذهبون اليها دون تفريق او تمييز. والثاني اطلقنا عليه اسم «النجاح الدائم» الذي يرتكز على القناعة بأن جودة العلاقات الانسانية تتحقق من خلال احترام وجهات النظر المتباينة، ومن الشجاعة في ممارسة حرية الرأي، ومن اختيار الاسلوب الشخصي في التعامل مع المواقف المختلفة، والذي يعبر عن وعي وادراك الفرد لتصرفاته دون انتظار موافقة من احد افراد شبكة العلاقات الاجتماعية، او من رفض احد اعضائها المقربين!! وتحت تلك المظلة الشاهقة يصبح بإمكان الفرد ان يمارس حريته في القول والعمل وهو مطمئن الى ان مصداقية اي علاقة لن تتحقق الا في اجواء الحرية والقبول النفسي المتبادل. واذا ما اسقطنا هذين النوعين من العلاقات الانسانية على الواقع المهني، واخترنا ميدان العمل كواحد من ابرز المجالات الحيوية التي تنال نصيبها من وقت الفرد وجهده، واخذنا في استقراء الواقع، حاملين معنا وجهة النظر الداعية الى انه ما من علاقة منتجة وفاعلة الا وثمة قناعة مشتركة تجمع بين اطرافها، وتشكل حافزاً ذاتياً قائماً على الاختيار والقبول، وتعبر عن وجهة نظر كل فرد من افراد المجموعة وليس مجرد رأي المسئول المباشر، او مدير فريق العمل الذي يمتلك السلطة الادارية في اصدار الاوامر والتوجيهات. فماذا سوف نجد؟ اغلب الظن اننا سوف نجد اعضاء فرق العمل تؤدي دور المنفذ المطيع دون ان تشارك في وضع خطة العمل، او تحديد الآليات والادوات المناسبة لتحقيقه. وهذا الخلل هو احد ابرز الاخطاء التي تقع فيها اغلب المؤسسات الرسمية، حيث ان الذي يعرف كل شيء عن طبيعة العمل المطلوب انجازه من قبل فرق العمل المنتشرة في الاقسام والدوائر المختلفة هو المسئول المباشر الذي يطالبها بالتطبيق الحرفي للبرنامج الصادر من قبل الادارة العليا، دون ان يسمح لبقية الموظفين في تحديد الكيفية التي يتم من خلالها تنفيذ تلك البرامج، او اقتراح برامج اخرى اكثر فاعلية وكفاءة وقدرة على تحقيق شروط الجودة في التخطيط والاداء. والسؤال الذي يفرض نفسه: اذا كانت هذه الآلية في العمل هي السياسة السائدة لدى اغلب الهيئات والمؤسسات فكيف ننتظر ان ننمو ونتطور حتى لو وضعنا سقفاً زمنياً لتطورنا المأمول لا يقل عن المئة عام؟! ان هذا النوع من العلاقة الاحادية الجانب القائمة على السمع والطاعة في المنشط والمكره في حالة الاقتناع، او حالة انتفاء القناعة، وتلك البروتوكولات الصارمة التي تطالب باقتفاء الخطة التي لم يشارك اعضاء فرق العمل في صياغتها وتحديد مسارات تنفيذها انما هو حكم مسبق على البقاء في قائمة الانتظار الطويل لنزول المعجزات، وتحقيق الانجازات بدون توفير مناخ عملي فعال مبني على الارادة الجماعية والمشاركة الكاملة للعناصر التي تتولى تنفيذ اهداف مؤسساتها. بل ان الاعجب من البقاء في دائرة المراوحة والانتظار هو وجود مقاومة علنية من قبل بعض الاجهزة الادارية المتزمتة التي ترى ان كل محاولة للاتيان بالجديد سوف تؤدي الى ارباك نظام العمل، والى التسيب والفوضى، في حين غاب عن تلك الاجهزة المسئولة ان الاستمرار في رفض الافكار الجديدة من شأنه ان يطفيء حماس الموظفين الجدد، ويصيبهم بالاحباط وربما اليأس من امكانية التغيير في بيئة تقاوم التغيير وتحاول ان تجهز على المنادين به!! بل ولربما اتهمت محاولات الخروج عن الروتين بأنها تحريض علني مكشوف على العصيان والتمرد!! فأي عقول جوفاء تلك التي تسكن في رؤوس اينعت وحان وقت مغادرتها لمسرح القيادة المهنية؟ وأي نظام مشوش غير قادر على الاستقبال الفعال او على الارسال الايجابي ذلك الذي يعمل به في اغلب مؤسساتنا الرسمية؟! ولماذا يصر بعض المسئولين على الاعتقاد بأن صدق الانتماء للمؤسسة يأتي من خلال تقديم النصح والمشورة وليس من خلال اعلان القبول والتأييد واظهار الموافقة على طول الطريق!! ومتى نتأكد ان علاقاتنا سوف تزدهر وظيفية كانت أم عائلية حين نجتمع على بساط المصارحة والمشافهة والنقد الموضوعي، ونلقي وراء ظهورنا والى الابد النقد خلف الكواليس والجدران، والحجرات الموصدة الابواب!! آلاف الاميال علينا ان نقطعها مع انفسنا ان اردنا ان نكون اوفياء للعلاقات الانسانية والوظيفية الاكثر نماء وفاعلية.